ولقائل أن يقول: يحتمل أن تلك الهفوة في نفس الحكم؛ فإنه لا يبعد أن يكون
الصواب ضم النعجة إلى القطيع لتحفظ وتأتي بالنسل، وأن بقاءها عند صاحبها
مضيعة لها فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية كما ورد في الحديث الشريف.
واعتراف المدعي بأن خصمه عزه في الخطاب دليل على أنه لم يطلبها إلا بحق
وبعوض كثمن المثل أو منفعة أخرى من اللبن أو النسل. وفي البيضاوي وغيره
احتمال آخر في التأويل مروي، وهو أن الذين تسوروا المحراب كانوا يقصدون
اغتيال داود في يوم انفراده فوجدوا عنده قوما فتصنعوا بالتحاكم، فعلم غرضهم
وقصد أن ينتقم منهم ثم لم يجد مسوغا شرعيا فعاتب نفسه، وظن أن الله تعالى أراد
ابتلاءه واختباره بذلك فاستفغر ربه مما هم به؛ لأن ذلك ذنب بالنسبة إلى مقامه،
وإذا كان لقصة امرأة أوريا أصل فيجب أن يكون مطابقا لقضية الخصمين؛ بأن يكون
داود اعتقد أن امرأة جميلة في بيت جندي فقير خلف أسفار لا تسلم من تطلع السفهاء
وتعرض الفجار، وأن الطريقة المثلى لصيانتها هي أن تكون في بيت النبوة والملك
وأنه كلم زوجها في أن يكفلها فأقنعه وعزه في الخطاب؛ لأن هذا هو الصواب.
وإنما استغفر داود من ذلك؛ لأنه ظن أن اجتهاده في أمر المرأة مشوب بشيء من ميل
النفس إلى كفالتها وأن هذا الميل هو الذي رجح في نفسه الرأي الأول بدليل أنه ظهر
له خلافه في قضية تشابه الأولى، ومثل هذا يعده هؤلاء الكملة ذنبا، وإن لم يكن فيه
مخالفة لأمر الله تعالى وحيد عن شريعته.
ومن تأمل ما تقدم القصة وما تأخر عنها من الثناء على داود عليه السلام علم
أن القرآن يتنزه في حكمته وبلاغته أن يكون ذكر الفاحشة فيه محتفا بهذا الثناء
والإطراء. ويقال: إن تنازل الرجل عن امرأته لآخر ليتزوج بها كان مشروعا
عندهم. وقد آثر الأنصار المهاجرين (رضي الله عنهم أجمعين) بزوجاتهم فكان
من عنده امرأتان يطلق إحداهما ليتزوج بها أخوه المهاجر.
وفي القصة روايات كثيرة في كل فرع من فروعها لا يعبأ بها أهل العقل ولا
أهل النقل. فإن قبلنا منها شيئا فلنقبل ما يوافق قواعدنا الثابتة، كرواية أن أوريا لم
يكن متزوجا بالمرأة وإنما كان خاطبا، ورواية نهي الإمام علي كرم الله وجهه عن
التحديث بالقصة على ما يرويه القصاص، ووعيده من خالف بجلد مائة وستين جلدة
وذلك حد الفرية على الأنبياء عليهم السلام.
(م 92) الشبهة الأولى على سليمان عليه السلام
حاسب الله القصاص فلقد شوهوا كتب التفسير بقصصهم، استعرض
سليمان نبي الله وملك بني إسرائيل الخيل وهو نعم العبد {إذ عرض عليه بالعشي
الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير} (ص: 31-32) المعقود
بنواصي الخيل لا عن هوى نفسي ولكن ﴿عن ذكر ربي﴾ (ص: 32) ووحيه
الذي أمر برباط الخيل للدفاع عن الحق.
فما زالت تعرض ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (ص: 32) فقال {ردوها
علي} (ص: 33) لأراها مقبلة ومدبرة أو لأختبر حالها. فقد قيل: إنه كان
عالما بها وبأمراضها أو لأتمتع بمسح سوقها وأعناقها، فردوها عليه {فطفق مسحا
بالسوق والأعناق} (ص: 33) كما هو شأن محبي الخيل في كل جيل وزمان.
فأي هذيان أم أية شبهة في هذه الآيات على أن سليمان عليه السلام ترك صلاة
العصر شغلا بالخيل حتى غربت الشمس، وأنه انتقم منها بقطع سوقها وأعناقها -
ولو كان المسح هو القطع لكان قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ (المائدة: 6) بمعنى: اقطعوها - وأن قوله: ﴿ردوها علي﴾ (ص: 33) خطاب
للملائكة الموكلين بالشمس يأمرهم بردها بعد غروبها ليصلي العصر؟ وأي حاجة
لتطويل الفقهاء البحث في هذه الصلاة هل هي أداء أم قضاء؟ ولكن هذا قضاء
الله في قوم اشتغلوا عن لباب العلم بلوك القشور، ألا إلى الله تصير الأمور.
***
(م93) الشبهة الثانية على سليمان عليه السلام
رووا في تفسير قوله تعالى: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم