خصاصهم فثمل الأغنياء فرحا لسفر هؤلاء الغوغاء ولم يستطيعوا كتمان فرحهم
وكانوا يصفقون ويجهرون بقولهم: حبذا حبذا هذا الخلاص!
قلما كانت تلك السفن تقل إلا أشخاص المهاجرين؛ لأنهم لا يملكون شيئا،
أستغفر الله، بل إنهم حملوا معهم فيها أدوات عملهم.
مضى على سفرهم بضع سنين انقطعت فيها أخبارهم واختلفت أقوال أهل
الجزيرة في شأنهم فمن قائل بأن البحر ابتلعهم ومن واهم بأنهم أكل بعضهم بعضا.
وبينما هم في هذا الاختلاف إذ رأوا ذات يوم سفينة مشحونة بالغلال وعروض
التجارة رست على ميناء جزيرتهم فلم يلبثوا أن عرفوا من لهجة ملاحيها وبعض
ملامح وجوهم أنهم من سكانها السالفين وقد أخبرهم هؤلاء الملاحون أنهم آتون من
جزيرة أخرى استقامت فيها أمورهم ونجحت نجاحا عظيما؛ لأنهم ما حرثوا
الأرض وأحيوا مواتها حتى جللتها الحصائد وملأتها المزارع والمواشي فاعتبر
الأغنياء هذه الأخبار من الأساطير وقهقهوا لسماعمها قهقهة المجانين.
على أن الملاحين لم يكونوا مبالغين في شيء مما قالوا، فإنه كان يخرج من
أرض تلك الجزيرة القفرة على نحو من السحر حقول مكسوة بالزروع وقرى ومدن
وطرق ومدن وترع، فكان سكانها في معيشتهم على وفاق تام؛ لأنهم كانوا منها في
غبطة وهناء، وقد ضربت عليهم السكينة رواقها فكانوا يعتبرون أبناءهم بذورا
لخلف أرقى وأكثر منهم ولذلك كانوا يبكرون بتعليمهم العمل وإنشائهم على حبه.
أصبح الأمر على خلاف ذلك في جزيرة الأغنياء فكانت الثروة تنقص من يوم
إلى يوم؛ لأن سكانها لما كانوا من فرط الكبر والكسل بحيث إنهم يستنكفون أن
يتولوا بأنفسهم حرث الأرض لم تلبث أن امتلأت عاقولا وتعطلت جميع الحرف
والصنائع لفقد عمالها وتبع ذلك زوال مواد الزخرف وتداعت الصروح والقصور
والمقصود فلم يوجد من الرجال من يقيم من منآدها.
فزع الأغنياء في بدايا هذا الانحطاط إلى صناع الجزائر المجاورة لهم فلم
يجيبوا دعوتهم؛ لأنهم كانوا على بينة مما كانوا به إخوانهم فلم يرضوا لأنفسهم ما
قاساه هؤلاء من ضروب الإهانة.
نعم إن من بقي في الجزيرة من سكانها كانوا يملكون كثيرا من الذهب والفضة
وأنهم اشتروا من التجار الأجانب كل ما كانوا في حاجة إليه مدة من الزمن ولكن كل
كنز لا بد من نفاذه بالغا من الكثرة ما بلغ خصوصا إذا كان أصله لا يتجدد من أجل
ذلك لم يمض إلا بضع سنين حتي غاضت أموالهم وأنشأوا يندمون ولات حين مندم
على ما فرط منهم من القسوة والظلم في معاملة الفقراء.
صاروا إلى حالة محزنة جدا فقد تخلى عنهم من كانوا يحوطونهم من الخدم
والحشم لعجزهم عن دفع أجورهم وعجزت خيلهم عن جر عجلاتهم لفقدها من كانوا
يقومون على تغذيتها وإصلاح شأنها وكانت نساؤهم ترى في الشوارع منتعلات نعالا
من الديباج مشوهة الأعقاب ولابسات جلابيب من الحرير المذهب كلها ممزق
ومخرق؛ لأنه يخجل أولئك السيدات الجليلات أن يرقعن ثيابهن بأيديهن فإذا نظر
إليهن ناظر وهن في هذه الأهدام بهذا الصلف والعجرفة بعثته حالهم إلى الضحك
والاستهزاء بهن لو لم يكن من القسوة واللؤم الاستهزاء بالتعساء البائسين ولو كانوا
من الأشرار.
وجملة القول أن جزيرة الأغنياء المترفين قد أصبحت جزيرة الفقراء المعدمين.
كان القحط يزداد فيها من سنة إلى أخرى فقد ضعفت الأرض على التحصيل لعدم
ما كان يخدمها من الأيدي وكاد الأغنياء يموتون جوعا في صروحهم ولو لم
يتداركهم أولئك الفقراء الذين أخرجوهم من ديارهم بالإفراط في سوء معاملتهم
ويساعدوهم بما فضل عن حاجتهم لهلكوا عن بكرة أبيهم.
كان (أميل) كثير الإصغاء إلي في حكايتي لهذه القصة وما فرغت منها حتى
ابتدرني بقوله: (يستفاد من القصة إذن أن العمل هو سبب الغناء والثروة) فأجبته
أن هذا ليس مطردا ولكن أقل فائدة له أنه يغني الأمم التي تعرف مناهج العدل