النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبى أيوب. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى حيث أدركته الصلاة، ويصلى فى مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. قال: فأرسل إلى ملأ بنى النجار فجاؤوا. فقال: " يا بنى النجار، ثامنونى بحائطكم هذا ". قالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور المشركين
وقوله: " وكانت (¬1) فيه نخل وقبور المشركين وخرب " رويناه بفتح الخاء وكسر الراء، جمع خربة، مثل: كلم وكلمة، وبكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة بسكون الراء، وكلاهما ما تخرب من البناء، والثانية: لغة تميم وحدها. قال الخطابى: لعل الصواب: خرب، بالضم، جمع خربة بالضم، وهى الخروق فى الأرض، إلا أنهم يقولونها فى كل ثقبة مستديرة، أو لعلها جرف جمع جرفة وهى جمع جرف، وأبين منه إن ساعدته الرواية: جدب، جمع جدبة، وتعنى ما ارتفع من الأرض لقوله: " فسويت "؛ لأنه إنما يسوى المكان المجدوب أو ما فيه خرق فى الأرض وأما الخرب فتبنى وتعمر.
قال القاضى: لا أدرى ما اضطره إلى هذا؟ وكما قطع - عليه السلام - النخل المثمر كذلك سوى بقايا الخرب وإطلال حيطانها، وأذهب رسومها كما فعل بالقبور، والرواية صحيحة اللفظ والمعنى، لا يحتاج إلى تغييرها ولا إلى تكلف شىء فى تأويلها.
وقوله: " وأمر بالنخل فقطع "، فيه جواز قطع الثمار المثمرة للمنافع [لمثل هذا] (¬2) وللحاجة إلى بناء مواضعها، أو اتخاذ خشبها عند عدم غيره والحاجة إليه، أو لدفع المضار لقطعها فى بلاد العدو، الذى لا يرتجى السلمون عمارته وسكناه، قطعا للمرافق عنهم وغيظا للكفار، أو لخوف سقوطها على بناء، أو ميلها على حائط من لا يملكها، وانتشارها على ملكه وإضرارها به (¬3).
وقوله: " وبقبور المشركين فنبشت "، قال الإمام: أما نبش القبور وإزالة الموتى فيمكن أن يقال: لعله أن أصحاب الحائط لم يملكوهم تلك البقعة على التأبيد، أو لعله تحبيس (¬4) وقع منهم فى حال الكفر، والكافر لا يلزمه القرب كما قالوا: إذا أعتق عبدا وهما كافران أن له أن يرده فى الرق قبل إسلامهما ما لم يخرج من يده، ولم يقدر أن أيدى أصحاب الحوائط زالت عن القبور لأجل من دفن فيها.