تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فجئه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: " ما أنا بقارئ ". قال " فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ ". قال: " قلت: ما أنا بقارئ ". قال: " فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (¬1) ". فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على

وخلوه صلى الله عليه وسلم بغار حراء وتحنثه [فى] (¬2) أول مبادى بشارات نبوته، وذلك أن تحبيب الخلوة له إلهام من الله، لما أراد الله به خلوة بنفسه، وتفرغه للقاء رسل ربه، وسماع وحيه، وقطعه العلائق الشاغلة عن ذلك كما كان.

وفيه تنبيه على (¬3) فضل الخلوة والعزلة، وثمرة التفرغ لذكر الله. فإن ذلك يريح السر من الشغل بغير الله، ويقل الهم بأمور الدنيا، ويخلى القلب عن التعلق والركون لأهلها، فيصفو، وتنفجر ينابيعه بالحكمة، وتشرق جوانبه بالحقائق والمعرفة، ويفيض عليه من نفحات فضل الله وأنوار رحمته ما قدر له.

وقوله: " حتى فجئه الحق ": أى أتاه بمرة، يقال: فجئ، بكسر الجيم، يفجأ وفجأ، بفتحها أيضا.

وقوله: " اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ "، قال الإمام: قيل: " ما " هاهنا نافية، وقيل: استفهامية، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: أى شىء أقرأ؟ وقد ضعفوا الاستفهام بإدخال الباء، ولو كان استفهاما لقال (¬4): ما أنا قارئ، وإنما تدخل الباء على ما النافية فتكون الباء تأكيدا للنفى.

قال القاضى: يصحح من قال: إنها للاستفهام رواية من روى: " ما أقرأ " وقد يصح أيضا أن تكون هنا " ما " نافية.

وقوله: " فغطنى ": أى غمنى وعصرنى، ورواه بعضهم: " فغتنى " وهما بمعنى، قال ابن الأنبارى: معنى " غتنى ": ضغطنى، وكأنه يضارع غطنى؛ لأن المضغوط يبلغ منه الجهد (¬5)، وكذلك المغتوت.

إكمال المعلم بفوائد مسلم · الجزء ١ · الصفحة ٤٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إكمال المعلم بفوائد مسلمج ١ · ص ٤٨٢