﴿ وإن تكذبوا ﴾ وإن تكذبوني. ﴿ فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ من قبلي من الرسل فلم يضرهم تكذيبهم وإنما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم. ﴿ وما على الرسول إلا البلغ المبين ﴾ الذي يزال معه الشك وما عليه أن يصدق ولا يكذب، فالآية وما بعدها من جملة قصة ﴿ إبراهيم ﴾ إلى قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ ويحتمل أن تكون اعتراضا بذكر شأن النبي صلى الله عليه وسلم وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم، توسط بين طرفي قصته من حيث إن مساقها لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنفيس عنه، بأن أباه خليل الله صلوات الله عليهما كان ممنوا بنحو ما مني به من شرك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه
29.19-27
﴿ أو لم يروا كيف يبدىء الله الخلق ﴾ من مادة ومن غيرها، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء على تقدير القول وقرىء «يبدأ». ﴿ ثم يعيده ﴾ إخبار بالإعادة بعد الموت معطوف على ﴿ أو لم يروا ﴾ لا على ﴿ يبدىء ﴾ ، فإن الرؤية غير واقعة عليه ويجوز أن تؤول الإعادة بأن ينشىء في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات والثمار ونحوهما وتعطف على ﴿ يبدىء ﴾. ﴿ إن ذلك ﴾ الإشارة إلى الإعادة أو إلى ما ذكر من الأمرين. ﴿ على الله يسير ﴾ إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء.
﴿ قل سيروا فى الأرض ﴾ حكاية كلام الله لإبراهيم أو محمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿ فانظروا كيف بدأ الخلق ﴾ على اختلاف الأجناس والأحوال. ﴿ ثم الله ينشىء النشأة الآخرة ﴾ بعد النشأة الأولى التي هي الإداء، فإنه والإعادة نشأتان من حيث أن كلا اختراع وإخراج من العدم، والإفصاح باسم الله مع إيقاعه مبتدأ بعد إضماره في بدأ والقياس الاقتصار عليه للدلالة على أن المقصود بيان الإعادة، وأن من عرف بالقدرة على الإبداء ينبغي أن يحكم له بالقدرة على الإعادة لأنها أهون والكلام في العطف ما مر، وقرىء «النشاءة» كالرآفة. ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ لأن قدرته لذاته ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى.
﴿ يعذب من يشاء ﴾ تعذيبه. ﴿ ويرحم من يشاء ﴾ رحمته. ﴿ وإليه تقلبون ﴾ تردون.
﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ ربكم عن إدراككم. ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ إن فررتم من قضائه بالتواري في الأرض أو الهبوط في مهاويها، والتحصن ﴿ فى السماء ﴾ أو القلاع الذاهبة فيها وقيل ولا من في السماء كقول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء
﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ويدفعه عنكم.
﴿ والذين كفروا بئايت الله ﴾ بدلائل وحدانيته أو بكتبه. ﴿ ولقائه ﴾ بالبعث. ﴿ أولئك يئسوا من رحمتى ﴾ أي ييأسون منها يوم القيامة، فعبر عنه بالماضي للتحقق والمبالغة، أو أيسوا في الدنيا لإنكار البعث والجزاء. ﴿ وأولئك لهم عذاب أليم ﴾ بكفرهم.
﴿ فما كان جواب قومه ﴾ قوم إبراهيم له. وقرىء بالرفع على أنه الاسم والخبر. ﴿ إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ﴾ وكان ذلك قول بعضهم لكن لما قيل فيهم ورضي به الباقون أسند إلى كلهم. ﴿ فأنجاه الله من النار ﴾ أي فقذفوه في النار فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه بردا وسلاما. ﴿ إن فى ذلك ﴾ في إنجائه منها. ﴿ لآيات ﴾ هي حفظه من أذى النار وإخمادها مع عظمها في زمان يسر وإنشاء روض مكانها. ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأنهم المنتفعون بالتفحص عنها والتأمل فيها.
﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثنا مودة بينكم فى الحيوة الدنيا ﴾ أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها، وثاني مفعولي ﴿ اتخذتم ﴾ محذوف ويجوز أن تكون مودة المفعول الثاني بتقدير مضاف أي اتخذتم أوثان سبب المودة بينكم أو بتأويلها بالمودودة، وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم والوجه ما سبق، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم، والجملة صفة ﴿ أوثنا ﴾ أو خبر إن على ﴿ إنما ﴾ مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول، وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح ﴿ بينكم ﴾ كما قرىء