29.57-67
﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ تناله لا محالة. ﴿ ثم إلينا ترجعون ﴾ للجزاء ومن هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له وقرأ أبو بكر بالياء.
﴿ والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لنبوئنهم ﴾ لننزلنهم. ﴿ من الجنة غرفا ﴾ علالي، وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» أي لنقيمنهم من الثواء فيكون انتصاب غرفا لإجرائه مجرى لننزلنهم، أو بنزع الخافض أو بتشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. ﴿ تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها نعم أجر العملين ﴾ وقرىء «فنعم» والمخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله.
﴿ الذين صبروا ﴾ على أذية المشركين والهجرة للدين إلى غير ذلك من المحن والمشاق. ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ ولا يتوكلون إلا على الله.
﴿ وكأين من دابة لا تحمل رزقها ﴾ لا تطيق حمله لضعفها أو لا تدخره، وإنما تصبح ولا معيشة عندها. ﴿ الله يرزقها وإياكم ﴾ ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله، لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، فإنهم لما أمروا بالهجرة قال بعضهم كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت. ﴿ وهو السميع ﴾ لقولكم هذا. ﴿ العليم ﴾ بضميركم.
﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ﴾ المسؤول عنهم أهل مكة. ﴿ ليقولن الله ﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. ﴿ فأنى يؤفكون ﴾ يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك.
﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ﴾ يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدا على أن البسط والقبض على التعاقب وألا يكون على وضع الضمير موضع من يشاء وإبهامه لأن من يشاء مبهم. ﴿ إن الله بكل شىء عليم ﴾ يعلم مصالحهم ومفاسدهم.
﴿ ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ﴾ معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك. ﴿ قل الحمد لله ﴾ على ما عصمك من مثل هذه الضلالة، أو على تصديقك وإظهار حجتك. ﴿ بل أكثرهم لا يعقلون ﴾ فيتناقضون حيث يقرون بأنه المبدىء لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به الصنم، وقيل لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم.
﴿ وما هذه الحيوة الدنيا ﴾ إشارة تحقير وكيف لا وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة. ﴿ إلا لهو ولعب ﴾ إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين. ﴿ وإن الدار الآخرة لهى الحيوان ﴾ لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو هي في ذاتها حياة للمبالغة، و ﴿ الحيوان ﴾ مصدر حي سمي به ذو الحياة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واوا وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها ها هنا.
﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة فيها عارضة سريعة الزوال.
﴿ فإذا ركبوا فى الفلك ﴾ متصل بما دل عليه شرح حالهم أي هم على ما وصفوا به من الشرك فإذا ركبوا البحر. ﴿ دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو. ﴿ فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ فاجؤوا المعاودة إلى الشرك.
﴿ ليكفروا بمآ ءاتينهم ﴾ اللام فيه لام كي أي يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة. ﴿ وليتمتعوا ﴾ باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها، أو لام الأمر على التهديد ويؤيده قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع »وليتمتعوا « بالسكون. ﴿ فسوف يعلمون ﴾ عاقبة ذلك حين يعاقبون.
﴿ أو لم يروا ﴾ يعني أهل مكة. ﴿ أنا جعلنا حرما آمنا ﴾ أي جعلنا بلدهم مصونا عن النهب والتعدي آمنا أهله عن القتل والسبي. ﴿ ويتخطف الناس من حولهم ﴾ يختلسون قتلا وسبيا إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب. ﴿ أفبالبطل يؤمنون ﴾ أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالصنم أو الشيطان. ﴿ وبنعمة الله يكفرون ﴾ حيث أشركوا به غيره وتقديم الصلتين للاهتمام أو الاختصاص على طريق المبالغة.