24.51-61
﴿ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ﴾ على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي، وقرىء ﴿ قول ﴾ بالرفع و ﴿ ليحكم ﴾ على البناء للمفعول وإسناده إلى ضمير مصدره على معنى ليفعل الحكم.
﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن. ﴿ ويخش الله ﴾ على ما صدر عنه من الذنوب. ﴿ ويتقه ﴾ فيما بقي من عمره، وقرأ يعقوب وقالون عن نافع بلا ياء وأبو بكر وأبو عمرو بسكون الهاء، وحفص بسكون القاف فشبه تقه بكتف وخفف والهاء ساكنة في الوقف بالاتفاق. ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالنعيم المقيم.
﴿ وأقسموا بالله جهد أيمنهم ﴾ إنكار للامتناع عن حكمه. ﴿ لئن أمرتهم ﴾ الخروج عن ديارهم وأموالهم. ﴿ ليخرجن ﴾ جواب ل ﴿ أقسموا ﴾ على الحكاية. ﴿ قل لا تقسموا ﴾ على الكذب. ﴿ طاعة معروفة ﴾ أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة. أو ﴿ طاعة معروفة ﴾ أمثل منها أو لتكن طاعة، وقرئت بالنصب على أطيعوا طاعة. ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾ فلا يخفى عليه سرائركم.
﴿ قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم. ﴿ فإن تولوا فإنما عليه ﴾ أي على محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ ما حمل ﴾ من التبليغ. ﴿ وعليكم ما حملتم ﴾ من الامتثال. ﴿ وإن تطيعوه ﴾ في حكمه. ﴿ تهتدوا ﴾ إلى الحق. ﴿ وما على الرسول إلا البلغ المبين ﴾ التبليغ الموضح لما كلفتم به، وقد أدى وإنما بقي ﴿ ما حملتم ﴾ فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم.
﴿ وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصلحات ﴾ خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمة أوله ولمن معه ومن للبيان ﴿ ليستخلفنهم في الأرض ﴾ ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم، وهو جواب قسم مضمر تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم، أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم. ﴿ كما استخلف الذين من قبلهم ﴾ يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة، وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدؤوا كسروا الألف. ﴿ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ﴾ وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت. ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الأعداء، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف. ﴿ أمنا ﴾ منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ثم هاجروا إلى المدينة وكان يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز الله وعده فأظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب، وفيه دليل على صحة النبوة للإخبار عن الغيب على ما هو به وخلافة الخلفاء الراشدين إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه لغيرهم بالإجماع.
وقيل الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة. ﴿ يعبدونني ﴾ حال من الذين لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن. ﴿ لا يشركون بي شيئا ﴾ حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين. ﴿ ومن كفر ﴾ ومن ارتد أو كفر هذه النعمة. ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد الوعد أو حصول الخلافة. ﴿ فأولئك هم الفسقون ﴾ الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا تلك النعمة العظيمة.
﴿ وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الرسول ﴾ في سائر ما أمركم به ولا يبعد عطف ذلك على أطيعوا الله فإن الفاصل وعد على المأمور به، فيكون تكرير الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للتأكيد وتعليق الرحمة بها أو بالمندرجة هي فيه بقوله: ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ كما علق به الهدى.
﴿ لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ﴾ لا تحسبن يا محمد الكفار معجزين لله عن إدراكهم وإهلاكهم، و ﴿ في الأرض ﴾ صلة ﴿ معجزين ﴾. وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء على أن الضمير فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى كما هو في القراءة بالتاء أو ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل والمعنى ولا يحسبن الكفار في الأرض أحدا معجزا لله، فيكون ﴿ معجزين في الأرض ﴾ مفعوليه أو لا يحسبونهم ﴿ معجزين ﴾ فحذف المفعول الأول لأن الفاعل والمفعولين لشيء واحد فاكتفى بذكر اثنين عن الثالث. ﴿ ومأواهم النار ﴾ عطف عليه من حيث المعنى كأنه قيل: الذين كفروا ليسوا بمعجزين ومأواهم النار، لأن المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإعجاز. ﴿ ولبئس المصير ﴾ المأوى الذي يصيرون إليه.