﴿ والله خلق كل دابة ﴾ حيوان يدب على الأرض. وقرأ حمزة والكسائي «خالق كل دابة» بالإضافة. ﴿ من ماء ﴾ هو جزء مادته، أو ماء مخصوص هو النطفة فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكل إذ من الحيوانات ما يتولد عن النطفة، وقيل ﴿ من ماء ﴾ متعلق ب ﴿ دابة ﴾ وليس بصلة ل ﴿ خلق ﴾. ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ كالحية وإنما سمي الزحف مشيا على الاستعارة أو المشاكلة. ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ كالإنس والطير. ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ كالنعم والوحش ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب فإن اعتمادها إذا مشت على أربع، وتذكير الضمير لتغليب العقلاء والتعبير عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة. ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا ومركبا على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته. ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فيفعل ما يشاء.
﴿ لقد أنزلنا ءايت مبينت ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل. ﴿ والله يهدي من يشاء ﴾ بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها. ﴿ إلى صرط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام الموصل إلى درك الحق والفوز بالجنة.
﴿ ويقولون آمنا بالله وبالرسول ﴾ نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديا فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل في مغيرة بن وائل خاصم عليا رضي الله عنه في أرض فأبى أن يحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ وأطعنا ﴾ أي وأطعناهما. ﴿ ثم يتولى ﴾ بالامتناع عن قبول حكمه. ﴿ فريق منهم من بعد ذلك ﴾ بعد قولهم هذا. ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ إشارة إلى القائلين بأسرهم فيكون إعلاما من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم تؤمن قلوبهم، أو إلى الفريق منهم وسلب الإيمان عنهم لتوليهم، والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإيمان والثابتون عليه.
﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ﴾ أي ليحكم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه الحاكم ظاهرا والمدعو إليه، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة حكم الله تعالى ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ فاجأ فريق منهم الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم، وهو شرح للتولي ومبالغة فيه.
﴿ وإن يكن لهم الحق ﴾ أي الحكم لا عليهم. ﴿ يأتوا إليه مذعنين ﴾ منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم، و ﴿ إليه ﴾ صلة ل ﴿ يأتوا ﴾ أو ل ﴿ مذعنين ﴾ وتقديمه للاختصاص.
﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ كفر أو ميل إلى الظلم. ﴿ أم ارتابوا ﴾ بأن رأوا منك تهمة فزال يقينهم وثقتهم بك. ﴿ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ﴾ في الحكومة. ﴿ بل أولئك هم الظلمون ﴾ إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم فتعين الأول، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققا عندهم أو متوقعا وكلاهما باطل، لأن منصب نبوته وفرط أمانته صلى الله عليه وسلم يمنعه فتعين الأول وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف والفصل لنفي ذلك عن غيرهم سيما المدعو إلى حكمه.