تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.36-50

﴿ في بيوت ﴾ متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت، أو توقد في بيوت فيكون تقييد للممثل به بما يكون تحبيرا ومبالغة فيه فإن قناديل المساجد تكون أعظم، أو تمثيلا لصلاة المؤمنين أو أبدانهم بالمساجد، ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة إذ المراد بها ماله هذا الوصف بلا اعتبار وحدة ولا كثرة أو بما بعده وهو يسبح، وفيها تكرير مؤكد لا بيذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله أو بمحذوف مثل سبحوا في بيوت، والمراد بها المساجد لأن الصفة تلائمها. وقيل المساجد الثلاثة والتنكير للتعظيم. ﴿ أذن الله أن ترفع ﴾ بالبناء أو التعظيم. ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه. ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾ ينزهونه أي يصلون له فيها بالغدوات والعشيات، والغدو مصدر أطلق للوقت ولذلك حسن اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل، وقرىء «والايصال» وهو الدخول في الأصيل وقرأ ابن عامر وأبو بكر «يسبح» بالفتح على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة ورفع رجال بما يدل عليه، وقرىء تسبح بالتاء مكسورا لتأنيث الجمع ومفتوحا على إسناده إلى أوقات الغدو.

﴿ رجال لا تلهيهم تجرة ﴾ لا تشغلهم معاملة رابحة. ﴿ ولا بيع عن ذكر الله ﴾ مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعارضة، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء، وقيل المراد بالتجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها، وقيل الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال تجر في كذا إذا جلبه وفيه إيماء بأنهم تجار. ﴿ وإقام الصلوة ﴾ عوض فيه الإضافة من التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال كقوله:

وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا

﴿ وإيتاء الزكوة ﴾ ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. ﴿ يخفون يوما ﴾ مع ما هم عليه من الذكر والطاعة. ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصر ﴾ تضطرب وتتغير من الهول، أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصره، أو تتقلب القلوب مع توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتبهم.

﴿ ليجزيهم الله ﴾ متعلق بيسبح أو لا تلهيهم أو يخافون. ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة. ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم ولم تخطر ببالهم. ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان.

﴿ والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة ﴾ والذين كفروا حالهم على ضد ذلك فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كالسراب، وهو ما يرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة فيظن أنه ماء يسرب أي يجري، والقيعة بمعنى القاع وهو الأرض الخالية عن النبات وغيره المستوية، وقيل جمعه كجار وجيرة وقرىء «بقيعات» كديمات في ديمة.

﴿ يحسبه الظمآن ماء ﴾ أي العطشان وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحاجة. ﴿ حتى إذا جاءه ﴾ جاء ما توهمه ماء أو موضعه. ﴿ لم يجده شيئا ﴾ مما ظنه. ﴿ ووجد الله عنده ﴾ عقابه أو زبانيته أو وجده محاسبا إياه. ﴿ فوفه حسابه ﴾ استعراضا أو مجازاة. ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لا يشغله حساب عن حساب. روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية تعبد في الجاهلية والتمس الدين فلما جاء الإسلام كفر.

﴿ أو كظلمت ﴾ عطف على ﴿ كسراب ﴾ و ﴿ أو ﴾ للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة. ﴿ في بحر لجي ﴾ ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء. ﴿ يغشه ﴾ يغشى البحر. ﴿ موج من فوقه موج ﴾ أي أمواج مترادفة متراكمة. ﴿ من فوقه ﴾ من فوق الموج الثاني. ﴿ سحاب ﴾ غطى النجوم وحجب أنوارها، والجملة صفة أخرى لل ﴿ بحر ﴾. ﴿ ظلمت ﴾ أي هذه ظلمات. ﴿ بعضها فوق بعض ﴾ وقرأ ابن كثير ﴿ ظلمت ﴾ بالجر على إبدالها من الأولى أو بإضافة ال ﴿ سحاب ﴾ إليها في رواية البزي. ﴿ إذا أخرج يده ﴾ وهي أقرب ما يرى إليه. ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها فضلا أن يراها كقول ذي الرمة:

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٨٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٨٩٨