14.49
﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله:
وإذا النفوس زوجت
[التكوير: 7] أو قرنوا مع الشياطين أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وهو يحتمل أن يكون تمثيلا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم. ﴿ فى الأصفاد ﴾ متعلق ب ﴿ مقرنين ﴾ أو حال من ضميره، والصفد القيد. وقيل الغل قال سلامة بن جندل:
وزيد الخيل قد لاقى صفادا
يعض بساعد وبعظم ساق
وأصله الشد
14.50-52
﴿ سرابيلهم ﴾ قمصانهم. ﴿ من قطران ﴾ وجاء قطران لغتين فيه، وهو ما يتحلب من الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته، وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة تطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص، ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، ويحتمل أن يكون تمثيلا لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الرديئة والهيئات الوحشية فيجلب إليها أنواعا من الغموم والآلام، وعن يعقوب ﴿ قطرآن ﴾ والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره، والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في ﴿ مقرنين ﴾. ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات ونظيره قوله تعالى:
أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيمة
[الزمر: 24] وقوله تعالى:
يوم يسحبون فى النار على وجوههم
[القمر: 48] ﴿ ليجزى الله كل نفس ﴾ أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة. ﴿ ما كسبت ﴾ أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا بين أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم، ويتعين ذلك أن علق اللام ب ﴿ برزوا ﴾. ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه لا يشغله حساب عن حساب.
﴿ هذا ﴾ إشارة إلى القرآن أو السورة أو ما فيه العظة والتذكير أو ما وصفه من قوله:
ولا تحسبن الله
[إبراهيم: 42] ﴿ بلغ للناس ﴾ كفاية لهم في الموعظة. ﴿ ولينذروا به ﴾ عطف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا بهذا البلاغ، فتكون اللام متعلقة بالبلاغ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف تقديره: ولينذروا به أنزل أو تلي. وقرىء بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعدله.
﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة عليه أو المبهة على ما يدل عليه ﴿ وليذكر أولوا الألبب ﴾ فيرتدعوا عما يرديهم ويتدرعوا بما يحظيهم، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب، تكميل الرسل للناس، واستكمال القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى، جعلنا الله تعالى من الفائزين بهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم
" من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبدها ".