تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ﴾ فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية كقوله تعالى:

وغرتهم الحيوة الدنيا

[الأنعام: 70].. ﴿ فمن تبعنى ﴾ على ديني. ﴿ فإنه منى ﴾ أي بعضي لا ينفك في أمر الدين. ﴿ ومن عصانى فإنك غفور رحيم ﴾ تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء، أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره.

﴿ ربنا إنى أسكنت من ذريتى ﴾ أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهم إسماعيل ومن ولد منه قال إسكانه متضمن لإسكانهم. ﴿ بواد غير ذى زرع ﴾ يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت. ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ الذي حرمت التعرض له والتهاون به، أو لم يزل معظما ممنعا يهابه الجبابرة، أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقا أي أعتق منه. ولو دعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه. روي أن هاجر كانت لسارة رضي الله عنها فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل عليه السلام، فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله عين زمزم، ثم إن جرهم رأوا ثم طيورا فقالوا لا طير إلا على الماء، فقصدوه فرأوهما وعندهما عين فقالوا أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت. ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ اللام لام كي وهي متعلقة ب ﴿ أسكنت ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم. وتكرير النداء وتوسيطه للاشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها.

وقيل لام الأمر والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها. ﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ أي أفئدة من أفئدة الناس، و ﴿ من ﴾ للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى، أو للابتداء كقولك: القلب مني سقيم أي أفئدة ناس. وقرأ هشام «أفئيدة» بخلف عنه بياء بعد الهمزة. وقرىء «آفدة» وهو يحتمل أن يكون مقلوب «أفئدة» كآدر في أدؤر وأن يكون اسم فاعل من أفدت الرحلة إذا عجلت أي جماعة يعجلون نحوهم «وأفدة» بطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه فيه إخراجهما بين ويجوز أن يكون من أفد. ﴿ تهوى إليهم ﴾ تسرع إليهم شوقا وودادا. وقرىء ﴿ تهوى ﴾ على البناء للمفعول من أهوى إليه غيره و ﴿ تهوى ﴾ من هوى يهوي إذا أحب، وتعديته بإلى لتضمنه معنى النزوع. ﴿ وارزقهم من الثمرت ﴾ مع سكناهم واديا لا نبات فيه. ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ تلك النعمة، فأجاب الله عز وجل دعوته فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٦٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٦٥٧