إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم
[الانفطار: 13-14]. وقالوا: إن الله تعالى لا يرسل الرسل إلا على فساد في المجتمع، الخالق عز وجل خلق في الإنسان النفس اللوامة التي ترده إلى رشده وتنهاه، والنفس المطمئنة التي اطمأنت بالإيمان، وأمنت الله على الحكم في افعل ولا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء، وهي التي لا تعرف معروفا، ولا تنكر منكرا، ولا تدعو صاحبها إلا إلى السوء. والله - عز وجل - رب، ومن عادة الرب أن يتعهد المربى ليؤدي غايته على الوجه الأكمل، أرأيتم أبا يربي أبناءه إلا لغاية؟ وما دام هو سبحانه ربي فلا يأمرني إلا لصالحي، وصالح مجتمعي، فلا شيء من طاعتنا يعود عليه بالنفع ولا شيء من معاصينا يعود عليه بالضرر لأنه سبحانه خلق الكون كله بصفات الكمال المطلق. إذن: كانت الفطرة السليمة تقتضي استقبال أوامر الله بالقبول والتسليم. وهذه الخصومة تجمع المؤمنين في جهة لأنهم اتفقوا على الإيمان. والكافرين في جهة لأنهم اتفقوا على الكفر. لكن يمتاز المؤمنون بأن يظل وفاقهم إلى نهاية العمر، بل وعند لقاء الله تعالى في الجنة لأنهم اتفقوا في الدنيا في خطة العمل وفي الآخرة في غاية الجزاء، كما يقول تعالى:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]. أما الكفار فسوف تقوم بينهم الخصومات يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض، والقرآن حين يصور تخاصم أهل النار يقول بعد أن ذكر نعيم أهل الجنة:
هذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها فبئس المهاد * هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج * هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار * وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار * إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
[ص: 55-64]. إذن: فالخصومة في الدنيا بين مؤمن وكافر، أما في الآخرة فبين الكافرين بعضهم البعض، بين الذين أضلوا والذين أضلوا، بين الذين اتبعوا، والذين اتبعوا.