تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي قوله للجن: ﴿ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.. ﴾ [النمل: 40] تحد لعفريت الجن، حتى لا يظن أنه أقوى من الإنسان، فإن أراد الله منحني من القوة ما أتفوق عليك به، بل وأسخرك بها لخدمتي. ومن ذلك قوله سبحانه عن تسخير الجن:

يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات..

[سبأ: 13]. وليعلموا أنهم جهلاء، ظلوا يعملون لسليمان وهو ميت ومتكىء على عصاه أمامهم، وهم مرعوبون خائفون منه. والتحدي قد يكون بالعلو، وقد يكون بالدنو، كالذي قال لصاحبه: أنا دارس باريس دراسة دقيقة، وأستطيع أن أركب معك السيارة وأقول لك: أين نحن منها، وأمام أي محل، وأنا مغمض العينين، فقال الآخر: وأنا أستطيع أن أخبرك بذلك بدون أن أغمض عيني. وقوله: ﴿ فلما رآه.. ﴾ [النمل: 40] أي: العرش ﴿ مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي.. ﴾ [النمل: 40] إما لأنه أقدره على الإتيان به بنفسه، أو سخر له من عنده علم من الكتاب، فأتاه به، فهذه أو ذلك فضل من الله. ﴿ ليبلوني.. ﴾ [النمل: 40] يختبرني ﴿ أأشكر أم أكفر.. ﴾ [النمل: 40] يعني: أشكر الله فأوفق في هذا الاختبار؟ أم أكفر بنعمة الله فأخفق فيه؟ لأن الاختبار إنما يكون بنتيجته. والشكر بأن ينسب النعمة إلى المنعم وألا يلهيه جمال النعمة عن جلال واهبها ومسديها، فيقول مثلا: إنما أوتيته على علم عندي. وقوله: ﴿ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه.. ﴾ [النمل: 40] أي: أن الله تعالى لا يزيده شكرنا شيئا، فله - سبحانه وتعالى - صفات الكمال المطلق قبل أن يشكره أحد، فمن يشكر فإنما يعود عليه، وهو ثمرة شكره. ﴿ ومن كفر.. ﴾ [النمل: 40] يعني: جحد النعمة ولم يشكر المنعم ﴿ فإن ربي غني.. ﴾ [النمل: 40] أي: عن شكره ﴿ كريم ﴾ [النمل: 40] أي يعطي عبده رغم ما كان منه من جحود وكفر بالنعمة لأن نعمه تعالى كثيرة لا تعد، وهذا من حلمه تعالى ورأفته بخلقه. لذلك لما نتأمل قوله تعالى:

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها..

[إبراهيم: 34] وقد تكررت هذه العبارة بنصها في آيتين من كتاب الله، مما جعل البعض يرى فيها تكرارا لا فائدة منه، لكن لو نظرنا إلى عجز كل منهما لوجدناه مختلفا. فالأولى تختتم بقوله تعالى:

إن الإنسان لظلوم كفار

[إبراهيم: 34] والأخرى:

إن الله لغفور رحيم

[النحل: 18]. إذن: فهما متكاملتان، لكل منهما معناها الخاص، فالأولى تبين ظلم الإنسان حين يكفر بنعمة الله عليه ويجحدها، وتضيف الأخرى أن الله تعالى مع ذلك غفور لعبده رحيم به. كما نلحظ في الآية:

وإن تعدوا..

[إبراهيم: 34] استخدم إن الدالة على الشك لأن أحدا لا يجرؤ على عد نعم الله في الكون، فهي فوق الحصر لذلك لم يقدم على هذه المسألة أحد، مع أنهم بوسائلهم الحديثة أحصوا كل شيء إلا نعم الله لم يتصد لأحصائها أحد في معهد أو جامعة ممن تخصصت في الإحصاء.

وهذا دليل على أنها مقطوع بالعجز عنها، كما لم نجد مثلا من تصدى لإحصاء عدد الرمل في الصحراء. كما نقف عند قوله سبحانه:

نعمت الله..

[إبراهيم: 34] ولم يقل: نعم الله، فالعجز عن الإحصاء أمام نعمة واحدة لأن تحتها نعم كثيرة لو تتبعتها لوجدتها فوق الحصر. ثم لما جاءته بلقيس أراد أن يجري لها اختبار عقل، واختبار إيمان: ﴿ قال نكروا لها عرشها... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٩٨