تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تنس أن المنهج حين يضيق عليك ويقيد حركتك يفعل ذلك لصالحك أنت، وأنت المستفيد من تقييد الحركة لأن ربك قيد حركتك وضيق عليك حتى لا تلحق الشر بالآخرين، وفي الوقت نفسه ضيق على الآخرين جميعا أن يتحركوا بالشر ناحيتك، وأنت واحد وهم كثير، فمن أجل تقييد حركتك قيد لك حركة الناس جميعا، فمن الكاسب في هذه المسألة. الشرع قال لك: لا تسرق وأنت واحد وقال للناس جميعا: لا تسرقوا منه، وقال لك: غض بصرك عن محارم الغير وأنت واحد. وقال لكل غير: غضوا أبصاركم عن محارم فلان، فكل تكليف من الله للخلق يعود عليك. فالمعنى: ﴿ وافعلوا الخير ﴾ [الحج: 77] أي: الذي لا يأتي منه فساد أبدا، وما دامت الحركات صادرة عن مراد لهوى واحد فإنها تتساند وتتعاون، فإن كان لك هوى ولغيرك هوى تصادمت الأهواء وتعاندت، والخير: كل ما تأمر به التكاليف المنهجية الشرعية من الحق تبارك وتعالى. ثم يقول سبحانه: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ [الحج: 77] لكن، أين سيكون هذا الفلاح: في الدنيا أم في الآخرة؟ الفلاح يكون في الدنيا لمن قام بشرع الله والتزم منهجه وفعل الخير، فالفلاح ثمرة طبيعية لمنهج الله في أي مجتمع يتحرك أفراده في اتجاه الخير لهم وللغير، مجتمع يعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "

وعندها لن ترى في المجتمع تزاحما ولا تنافرا ولا ظلما ولا رشوة.. الخ هذا الفلاح في الدنيا، ثم يأتي زيادة على فلاح الدنيا فلاح الآخرة. إذن: لا تظنوا التكاليف الشرعية عبئا عليكم لأنها في صالحكم في الدنيا، وبها فلاح دنياكم، ثم يكون ثوابها في الآخرة محض الفضل من الله. وقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المسألة فقال:

" لا يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "

ذلك لأن الإنسان يفعل الخير في الدنيا لصالحه وصالح دنياه التي يعيشها، ثم ينال الثواب عليها في الآخرة من فضل الله كما قال تعالى:

ويزيدهم من فضله

[النساء: 173]. وقوله تعالى: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ [الحج: 77] نعرف أن لعل أداة للترجي، وهو درجات بعضها أرجى من بعض، فمثلا حين تقول: لعل فلانا يعطيك، فأنت ترجو غيرك ولا تضمن عطاءه، فإن قلت: لعلي أعطيك. فالرجاء - إذن - في يدك، فهذه أرجى من سابقتها، لكن ما زلنا أنا وأنت متساويين، وربما أعطيك أولا، إنما حين تقول: لعل الله يعطيك فقد رجوت الله، فهذه أرجى من سابقتها، فإذا قال الله تعالى بذاته: لعلي أعطيك فهذا أقوى درجات الرجاء وآكدها لأن الوعد من الله والرجاء فيه سبحانه لا يخيب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٢٤