تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة

[المائدة: 64]. ومما قاله أصحاب الرأي الأول في تفسير ﴿ تمنى ﴾ [الحج: 52] وأنها بمعنى قرأ: يقولون: إن الله تعالى ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم أشياء تثبت بشريته، ثم يمحو الله آثار هذه البشرية ليبين أن الله صنعه على عينه، حتى إن همت بشريته بشيء يعصمه الله منها. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:

" يرد علي فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ".

إذن: فالرسول بشر إلا أنه يوحى إليه ما يعصمه من زلات البشر. ومن بشريته صلى الله عليه وسلم أنه تعرض للسحر، وهذه واقعة لا تنكر، وقد ورد فيها أحاديث صحيحة، وقد كاد الكفار لرسول الله بكل أنواع الكيد: استهزاء، وسبابا، واضطهادا، وإهانة، ثم تآمروا عليه بليل ليقتلوه، وبيتوا له، فلم يفلحوا قال تعالى:

وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

[الأنفال: 30]. وكاد الله لرسوله وأخرجه من بينهم سالما، وهكذا فضح الله تبييتهم وخيب سعيهم، وفشلت محاولاتهم الجهرية والسرية فلجئوا إلى السحرة ليفعلوا برسول الله ما عجزوا هم عنه، وعملوا لرسول الله سحرا في مشط ومشاطة من شعره صلى الله عليه وسلم وطلع نخلة ذكر ففضحهم الله، وأخبر رسوله بذلك فأرسل الإمام عليا فأتى به من بئر ذروان. وكأن الحق سبحانه يريد أن يبين لنا بشرية الرسول، وأنه يجري عليه ما يجري على البشر، لكن ربه لا يترك بشريته وحدها، وإنما يعصمه بقيوميته. وهذا المعنى هو ما قصده أصحاب الرأي الأول: أن الرسول يطرأ عليه ما يطرأ على البشر العادي، لكن تتدخل السماء لتعصمه ونحن نختار الرأي الآخر الذي يقول أن تمنى بمعنى ود وأحب. ثم تختتم الآية بقوله تعالى: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ [الحج: 52] عليم بكيد الشيطان، وتدبيره، حكيم في علاج هذا الكيد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٩٤