تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".

لكن، هل يترك الشيطان لرسول الله أن تتحقق أمنيته في قومه أم يضع في طريقه العقبات، ويحرك ضده النفوس، فيتمرد عليه قومه حيث يذكرهم الشيطان بما كان لهم من سيادة ومكانة سيفقدونها بالإسلام؟ وهكذا يلقي الشيطان في أمنية الرسول ﴿ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ [الحج: 52] وما كان الشيطان ليدع القرآن ينفذ إلى قلوب الناس أو حتى آذانهم، أليس هو صاحب فكرة:

لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه..

[فصلت: 26]. إن الشيطان لو لم يلق العراقيل في سبيل سماع القرآن ويشكك فيه لآمن به كل من سمعه لأن للقرآن حلاوة لا تقاوم، وأثرا ينفذ إلى القلوب مباشرة.

ومع ذلك لم يفت ما ألقى الشيطان في عضد القرآن، ولا في عضد الدعوة، فأخذت تزداد يوما بعد يوم، ويزداد عدد المؤمنين بالقرآن المصدقين به، المهم أن نتنبه: كيف نستقبل القرآن، وكيف نتلقاه، لا بد أن نستقبله استقبال الخالي من هوى، فالذي يفسد الأحكام أن تستقبل وتدخل على هوى سابق. وسبق أن قلنا: إن الحيز الواحد لا يسع شيئين في وقت واحد، لا بد أن تخرج أحدهما لتدخل الآخر، فعليك - إذن - أن تخلي عقلك وفكرك تماما، ثم تستقبل كلام الله، وابحث فيه كما شئت، فسوف تنتهي إلى الإيمان به شريطة أن تصفي له قلبك، فلا تبق في ذهنك ما يعكر صفو الفطرة التي خلقها الله فيك، عندها سيأخذ القرآن طريقه إلى قلبك، فإذا أشرب قلبك حب القرآن، فلا يزحزحه بعد ذلك شيء. ولنا في إسلام سيدنا عمر مثال وعظة، فلما سمع القرآن من أخته لأول مرة، وقد أغلق قلبه على كفره لم يتأثر به، وضربها حتى أدمى وجهها، وعندها رق قلبه، وتحركت عاطفته نحو أخته، وكأن عاطفة الحب زحزحت عاطفة العداوة، وكشفت عن صفاء طبعه، فلما سمع القرآن بعدها آمن به على الفور. كذلك، إن أردت أن تناقش قضية الإيمان أو الكفر، وأن تختار بينهما لأنهما يجتمعان أبدا، ولا بد أن تختار، فحين تناقش هذه القضية وأنت مصر على الكفر فلن تصل إلى الإيمان لأن الله يطبع على القلب المصر فلا يخرج منه الكفر، ولا يدخله الإيمان، إنما أخرج الكفر أولا وتحرر من أسره، ثم ناقش المسائل كما تحب. كما قال تعالى:

قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة..

[سبأ: 46]. أما أن تناقش قضية، وفي ذهنك فكرة مسبقة، فأنت كهؤلاء الذين قال الله فيهم:

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..

[محمد: 16] يعني: ما الجديد الذي جاء به، وما المعجزة في هذا الكلام؟ فيأتي الرد:

أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم * والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 16-17]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه عن القرآن:

قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..

[فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن المستقبل مختلف، وقد ذكرنا أنك حين تريد أن تبرد كوب الشاي الساخن فإنك تنفخ فيه، وكذلك إن أردت أن تدفئ يديك في برد الشتاء فإنك أيضا تنفخ فيها، كيف - إذن - والفاعل واحد؟ نعم، الفاعل واحد، لكن المستقبل للفعل مختلف. وقوله تعالى: ﴿ من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ [الحج: 52].

من هنا للدلالة على العموم وشمول كل الأنبياء والرسل السابقين، فكل نبي أو رسول يتمنى يعني: يود ويحب ويرغب أن ينتشر دينه ويطبق منهجه، ويؤمن به جميع قومه، لكن هيهات أن يتركه الشيطان وما أحب، بل لا بد أن يقف له بطريق دعوته ليصد الناس عنه ويصرفهم عن دعوته ومنهجه، لكن في النهاية ينصر الله رسله وأنبياءه، وينسخ عقبات الشيطان التي ألقاها في طريق الدعوة، ثم يحكم الله آياته، ويؤكدها ويظهرها، فتصير محكمة لا ينكرها أحد. وساعة تسمع كلمة ﴿ ألقى ﴾ [الحج: 52] فاعلم أن بعدها عقبات وشرورا، كما يقول تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٩٣