تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: كان لا بد أن يصفي الحق سبحانه أهل الإيمان كما يصفي الصائغ الذهب، ويخرج خبثه حين يضعه في النار، كذلك كانت الفتن والابتلاءات لتصفية أهل الإيمان وتمييزهم، لكن بالقتال في صف واحد. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن الله لا يحب كل خوان كفور ﴾ [الحج: 38] فكأن الحق - سبحانه وتعالى - أصبح طرفا في المعركة، والخوان: صيغة مبالغة من خائن، وهو كثير الخيانة وكذلك كفور: صيغة مبالغة من كافر. ومعنى الخيانة يقتضي أن هناك أمانة خانها. نعم، هناك الأمانة الأولى، وهي أمانة التكليف التي قال الله فيها:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان..

[الأحزاب: 72] فلقد خان هذه الأمانة بعد أن رضي أن يكون أهلا لها. وهناك أمانة قبل هذه، وهي العهد الذي أخذه الله على عباده، وهم في مرحلة الذر:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم..

[الأعراف: 172-173]. فإن قالوا: نعم هذه أمانة، لكنها بعيدة، ومن منا يذكرها الآن؟ نقول: ألم تقروا بأن الله خلقكم، وأوجدكم من عدم، وأمدكم من عدم؟ كما قال سبحانه:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..

[الزخرف: 87] كما أقروا بخلق السماوات والأرض وما فيها من خيرات لله عز وجل، فكان وفاء هذا الإقرار أن يؤمنوا، لكنهم مع هذا كله كفروا، أليست هذه خيانة للأمانة عاصروها جميعا وعايشوها وأسهموا فيها؟ والكفور: من كفر نعم الله وجحدها. وما دام هناك الخوان والكفور فلا بد للسماء أن تؤيد رسولها، وأن تنصره في هذه المعركة أولا، بأن تأذن له في القتال، ثم تأمره بأخذ العدة والأسباب المؤدية للنصر، فإن عزت المسائل عليكم، فأنا معكم أؤيدكم بجنود من عندي. وقد حدث هذا في بدء الدعوة، فأيد الله نبيه بجنود من عنده، بل أيده حتى بالكافر المعاند: ألم يكن دليل رسول الله في الهجرة كافرا؟ ألم ينصره الله بالحمام وبالعنكبوت وهو في الغار؟ ألم ينصره بالأرض التي ساخت تحت أقدام فرس " سراقة " الذي خرج في طلبه؟ هذه جنود لم نرها، ولم يؤيد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن استنفد أسبابه، ولو أراد سبحانه لطوع لرسوله هؤلاء المعاندين، فما رفع أحد منهم رأسه بعناد لمحمد، إنما الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يعطيه طواعية ويخضع له القوم، ألم يقل سبحانه وتعالى:

إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين

[الشعراء: 4]. وقلنا: إن الله تعالى يريد أن يخضع قلوب عباده لا قوالبهم، فلو أخضعهم الله بآية كونية طبيعية كالريح أو الصاعقة أو الخسف، أو غيره من الآيات التي أخذت أمثالهم من السابقين لقالوا: إنها آفات طبيعية جاءتنا، لكن جعل الله بين الفريقين هذه المواجهة، ثم يسر لحزبه وجنوده أسباب النصر. قال سبحانه:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين

[التوبة: 14]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٧٦