ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور
[الشورى: 43] هكذا بلام التوكيد. أما في وصية لقمان لولده:
واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور
[لقمان: 17] بدون توكيد لماذا؟ قالوا: لأن لقمان يوصي ولده بالصبر على ما أصابه، والمصائب قسمان: مصيبة تصيب الإنسان، وله فيها غريم هو الذي أوقع به المصيبة، وهذه يصاحبها غضب وسعار للانتقام، ومصيبة تصيب الإنسان وليس له غريم كالمرض مثلا، فإن كان له غريم فالصبر أشد، لذلك احتاج إلى التوكيد، على خلاف المصيبة التي ليس أمامك فيها غريم، فهي من الله فالصبر عليها أهون من الأولى.
ومع ذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - للنفس البشرية منافذ تنفس من خلالها عن نفسها، حتى لا يختمر بداخلها الغضب، فيتحول إلى حقد وضغينة، قد تؤدي إلى أكثر مما وقع بك لذلك أباح لك الرد لكن حببك في مراق أخرى، هي أجدى لك، فقال تبارك وتعالى:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. وهذه مراحل ثلاث، تختار منها بحسب فهمك عن الله وقربك منه: الأولى:
والكاظمين الغيظ..
[آل عمران: 134] يعني: تكظم غيظك في نفسك، دون أن تترجم هذا الغيظ إلى عمل نزوعي فتنتقم، فالغيظ - إذن - مسألة وجدانية في القلب، وموجود في مواجيد نفسه، وهذه مرحلة. الثانية:
والعافين عن الناس..
[آل عمران: 134] يعني: لا ينتقم، ولا حتى يجعل للغيظ مكانا في نفسه، فيصفيها من مشاعر الحنق والغيظ راضيا. الثالثة:
والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134] وهي أعلى المراتب، وهي ألا تكتفي بالعفو، بل وتحسن إلى من أساء إليك، والبعض يقول: هذا ضد طباع البشر، نعم هي ضد طباع البشر العاديين، لكن الذين يعرفون الجزاء، ويعرفون أنهم بذلك سيكونون في حضانة ربهم يهون عليهم هذا العمل، بل ويحبون الإحسان إلى من أساء. لذلك فالحسن البصري - رضوان الله عليه - لما بلغه أن شخصا نال منه في أحد المجالس - وكان الوقت بواكير الرطب - أرسل خادمه إليه بطبق من الرطب، وقال له: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك بالأمس. ومعلوم أن الحسنات أغلى وأثمن بكثير من طبق الرطب. ومن هنا يقولون: ما أعجب من الذي يسيء إلى من أساء إليه، لأنه أعطاه حسناته، وهي خلاصة عمله، فكيف يسيء إليه؟! وكأن الحق سبحانه يريد أن يحدث توازنا في المجتمع، ويقضي على دواعي الحقد وأسباب الضغائن في النفس البشرية، فحين تحسن إلى من يسيء إليك فإنك تجتث جذور الكره والحقد من نفسه، كما قال سبحانه وتعالى:
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34] فقد أخرجت خصمك من قالب الخصومة، إلى قالب الولاية والمحبة. فالمخبت المتواضع لله. أما غير المخبت فتراه متكبرا يتفرعن على من حوله، ويرى نفسه أعظم من الجميع، ولو أنه استحضر جلال ربه لخشع له، وتواضع وانكسر لخلقه، فالتكبر دليل غفلة عن عظمة الله، كأنه لم يشهد خالقه. إذن: تستطيع أن تقول أن الإخبات على نوعين: إخبات لله بالخضوع والخشوع والتعظيم لأوامره، وإخبات لخلق الله، بحيث لا ينتصر لظلمه ولا يظلم، إنما يتسامح ويعفو لأنه يعلم جيدا أنه إذا ظلم من مخلوق تعصب له الخالق. ولك أن تنظر إلى أولادك إذا ظلم أحدهم الآخر فإلى من تنحاز، ومع من تتعاطف؟ لا شك أنك ستميل إلى المظلوم، وتحنو عليه، وتريد أن تعوضه عما لحقه من الظلم، حتى إن الظالم ليندم على ظلمه لأنه ميز أخاه المظلوم عليه، وربما تمنى أن يكون هو المظلوم لا الظالم.
كذلك حال المخبت يرى أن الخلق جميعا عيال الله، وأن أحبهم إليه أرأفهم بعياله لذلك يعفو عمن ظلمه، ويترك أمره لله رب الجميع، كما أن المظلوم إذا رد الظلم فإنه يرده بقوته ومقدرته هو، إنما إن ترك الرد لله جاء الرد على مقدار قوته سبحانه. ملحظ آخر ينبغي أن يتنبه له المظلوم قبل أن يفكر في الانتقام، وهو: من يدريك لعلك ظلمت أنت أيضا دون أن تدري، لعل للناس عندك مظالم لا تشعر بها، وليست في حسبانك، فالمسألة - إذن - لك وعليك. لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: