تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ما دار بين المسلمين والمشركين يوم الحديبية، فقد صد الكفار المسلمين عن بيت الله الحرام وهم على مرمى البصر منه، فاغتاظ المسلمون لذلك، ورأى بعضهم أن يدخل مكة عنوة ورغما عنهم. لكن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سر بينه وبين ربه عز وجل، فنزل على شروطهم، وعقد معهم صلحا هو " صلح الحديبية " الذي أثار حفيظة الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، فقال لرسول الله: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال صلى الله عليه وسلم: " بلى " قال: أليسوا هم على باطل؟ قال: " بلى " قال: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ ".

وكان من بنود هذا الصلح: إذا أسلم كافر ودخل في صفوف المسلمين يرده محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا ذهب مسلم إليهم لا يردونه إلى المسلمين.

وكان للسيدة أم المؤمنين أم سلمة - رضوان الله عليها - موقف عظيم في هذه الشدة، ورأي سديد رد آراء الرجال إلى الرشد وإلى الصواب، وهذا مما نفخر به للمرأة في الإسلام، ونرد به على المتشدقين بحقوق المرأة. فلما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فسطاطه مغضبا فقال لأم سلمة:

" هلك المسلمون يا أم سلمة، لقد أمرتهم فلم يمتثلوا "

يعني امرهم بالعودة دون أداء العمرة هذا العام. فقالت السيدة أم المؤمنين: يا رسول الله، إنهم مكروبون، فقد منعوا عن بيت الله وهم على مرأى منه، لكن اذهب يا رسول الله إلى ما أمرك به ربك، فافعل فإذا رأوك فعلته علموا أن الأمر عزيمة - يعني لا رجعة فيه - وفعلا أخذ رسول الله بهذه النصيحة، فذهب فحلق، وذبح هديه وفعل الناس مثله، وانتهت هذه المسألة. لكن قبل أن يعودوا إلى المدينة شاءت إرادة الله أن يخبرهم بالحكمة في قبول رسول الله لشروط المشركين مع أنها شروط ظالمة مجحفة: أولا: في هذا الصلح وهذه المعاهدة اعتراف منهم بمحمد ومكانته ومنزلته، وأنه أصبح مساويا لهم، وهذا مكسب في حد ذاته. ثانيا: اتفق الطرفان على وقف القتال بينهم لعدة سنوات، وهذه الفترة أعطت المسلمين فرصة كي يتفرغوا لاستقبال الوفود ونشر دين الله. ثالثا: كان في إمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخلهم مكة رغما عن أهلها، وكان في مقدوره أن يقتلهم جميعا، لكن ماذا سيكون موقف المؤمنين من أهل مكة والذين يسترون إيمانهم ولا يعرفهم أحد؟ إنهم وسط هؤلاء الكفار، وسينالهم ما ينال الكفار، ولو تميز المؤمنون من الكفار أو خرجوا في جانب لأمكن تفاديهم. اقرأ قوله تعالى:

هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما

[الفتح: 25]. ثم يقول تعالى عن المسجد الحرام: ﴿ الذي جعلناه للناس.. ﴾ [الحج: 25] أي: جميعا ﴿ سوآء العاكف فيه والباد.. ﴾ [الحج: 25] العاكف فيه يعني: المقيم، والباد: القادم إليه من خارج مكة، ومعنى ﴿ سوآء.. ﴾ [الحج: 25] يعني: هذان النوعان متساويان تماما. لذلك نقول للذين يحجزون الأماكن لحسابهم في بيت الله الحرام خاصة، وفي بيوت الله عامة: أريحوا أنفسكم، فالمكان محجوز عند الله لمن سبق، لا لمن وضع سجادته، وشغل بها المكان. وقد دعت هذه الآية: ﴿ سوآء العاكف فيه والباد.. ﴾ [الحج: 25] البعض لأن يقول: لا يجوز تأجير البيوت في مكة، فمن أراد أن ينزل في بيت ينزل فيه دون أجرة حتى يستوي المقيم والغريب.

وهذا الرأي مردود عليه بأن البيوت مكان ومكين، وأرض مكة كانت للجميع حين كان المكان حرا يبني فيه من أراد، أما بعد أن بنى بيتا، وسكنه أصبح مكينا فيه، لا يجوز لأحد دخوله إلا بإذنه وإرادته. وقد دار حول هذه المسألة نقاش بين الحنظلي في مكة والإمام الشافعي، حيث يرى الحنظلي أنه لا يجوز تأجير البيوت في مكة لأنها حسب هذه الآية للجميع، فرد عليه الشافعي رضي الله عنه: لو كان الأمر كذلك لما قال سبحانه في المهاجرين:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٥٥