تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل موتوا بغيظكم..

[آل عمران: 119]. ومعنى: ﴿ فليمدد بسبب إلى السمآء.. ﴾ [الحج: 15] ﴿ فليمدد.. ﴾ [الحج: 15]: من مد الشيء يعني: أطاله بعد أن كان مجتمعا، ومنه قوله تعالى:

والأرض مددناها..

[الحجر: 19] فكلما تسير تجد أرضا ممتدة ليس لها نهاية، وليس لها حافة. والسبب: الحبل، يخرجون به الماء من البئر، لكن هل يستطيع أحد أن يربط حبلا في السماء؟ إذن: علق المسألة على محال، وكأنه يقول لهم: حتى إن أردتم شنق أنفسكم فلن تستطيعوا، وسوف تظلون هكذا بغيظكم. أو: يكون المعنى: ﴿ إلى السمآء.. ﴾ [الحج: 15] يعني: سماء البيت وسقفه، كمن يشنق نفسه في سقف البيت. ويمكن أن نفهم السبب على أنه أي شيء يوصلك إلى السماء، وأي وسيلة للصعود، فيكون المعنى: خذوا أي طريقة توصلكم إلى السماء لتمنعوا عن محمد أسباب النصر لأن نصر محمد يأتي من السماء فامنعوه، وهذه أيضا لا يقدرون عليها، وسيظل غيظهم في قلوبهم. وتلحظ أننا نتكلم عن محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الآية لم تذكر شيئا عنه، وكل ما جاء في الآية ضمير الغائب المفرد في قوله تعالى: ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله.. ﴾ [الحج: 15] والحديث موجه للكفار المغتاظين من بوادر النصر لركب الإيمان، فقوله: ﴿ ينصره.. ﴾ [الحج: 15] ينصر من؟ لا بد أنه محمد، لماذا؟ قالوا: لأن الأسماء حينما تطلق تدل على معان، فعندما تقول " سماء " نفهم المراد، وعندما تقول " قلب " نفهم، " نور " نعرف المراد.

والأسماء إما اسم ظاهر مثل: محمد وعلي وعمر وأرض وسماء، وإما ضمائر تدل على هذه الأسماء الظاهرة مثل: أنا، أنت، هو، هم. والضمير مبهم لا يعينه إلا التكلم، فأنت تقول: أنا وكذلك غيرك يقول أنا أو نحن، فالذي يعين الضمير المتكلم به حال الخطاب، فعمدة الفهم في الضمائر ذات المتكلم وذات المخاطب. فإن لم يكن متكلما ولا مخاطبا فهو غائب، فمن أين تأتي بقرينة التعريف للغائب؟ حين تقول: هو، هي، هم. من المراد بهذه الضمائر؟ كيف تعينها؟ إن عينت المتكلم بكلامه، والمخاطب بمخاطبته، كيف تعين الغائب؟ قالوا: لا بد أن يسبقه شيء يدل عليه، كأن تقول: جاءني رجل فأكرمته، أكرمت من؟ أكرمت الرجل الذي تحدثت عنه، جاءتني امرأة فأكرمتها، جاء قوم فلان فأكرمتهم. إذن: فمرجع الضمير هو الذي يدل عليه. لكن لم يسبق ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الضمير ليعينه ويدل عليه، نعم لم يسبق ذكر لرسول الله، لكن تأمل المعنى: الكلام هنا عن النصر بين فريق الإيمان وعلى رأسه محمد صلى الله عليه وسلم، وفريق الكفر وعلى رأسه هؤلاء المعاندون، فالمقام متعين أنه لا يعود الضمير إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثال ذلك قوله تعالى:

إنا أنزلناه..

[القدر: 1]. فالضمير هنا متعين، ولا ينصرف إلا إلى القرآن، ولا يتعين الضمير إلا إذا كان الخاطر لا ينصرف إلى غيره في مقامه. اقرأ:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] تلحظ أن الضمير سابق على الاسم الظاهر، فالمرجع متأخر، ومع ذلك لا ينصرف الضمير إلا إلى الله، فإذا قيل: هو هكذا على انفراد لا يمكن أن ينصرف إلا لله عز وجل. كذلك في قوله تعالى:

ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة..

[النحل: 61]. على ظهر أي شيء؟ الذهن لا ينصرف في هذا المقام إلا إلى الأرض. وقوله تعالى: ﴿ فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ﴾ [الحج: 15] الاستفهام هنا ممن يعلم، فهو استفهام للتقرير، ليقروا هم بأنفسهم أن غيظهم سيظل كما هو، لا يشفيه شيء، وأنهم سيموتون بغيظهم، كما قال تعالى:

قل موتوا بغيظكم..

[آل عمران: 119]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وكذلك أنزلناه آيات بينات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٤٤