وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم..
[النور: 59]. وكما تقول هذا رجل عدل، ورجال عدل. وفي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يتكلم عن الأصنام فيقول:
فإنهم عدو لي..
[الشعراء: 77] ولم يقل: أعداء. وحينما تكلم عن ضيفه قال:
هؤلآء ضيفي..
[الحجر: 68] ولم يقل: ضيوفي، إذن: المفرد هنا يؤدي معنى الجمع. ثم يقول سبحانه: ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم.. ﴾ [الحج: 5] وهكذا، ينقلنا السياق من الطفولة إلى المرحلة النهائية من عمر الإنسان، وسبق أن تحدثنا عن مراحل عمر الإنسان، وأنه يمر بمرحلة الرشد: رشد البنية حين يصبح قادرا على إنجاب مثله، ورشد العقل حين يصبح قادرا على التصرف السليم، ويحسن الاختيار بين البدائل. ثم تأتي مرحلة الأشد:
حتى إذا بلغ أشده..
[الأحقاف: 15] يعني: نضج نضجا من حوادث الحياة أيضا. ثم يقول تعالى: ﴿ ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر.. ﴾ [الحج: 5] وأرذل العمر يعني رديئه، حين تظهر على الإنسان علامات الخور والضعف ﴿ لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. ﴾ [الحج: 5] لأنه ينسى، وعندها يعرف أن صحته وقوته وسلطانه ليست ذاتية فيه، إنما موهوبة له من الله. وإذا بلغ الرجل أرذل العمر يعود من جديد إلى مرحلة الطفولة تدريجيا، فيحتاج لمن يأخذ بيده ليقوم أو ليمشي، كما تأخذ بيد الطفل الصغير، فإذا تكلم يتهته ويتلعثم كالطفل الذي يتعلم الكلام.. وهكذا في جميع شئونه. لذلك يقولون: الزواج المبكر أقرب طريق لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، ولم يقل: ولدا لأنه سيقوم معك فيما بعد بدور الوالد، يقولون: لحق والده يعني سنهما متقارب. لكن، لماذا يرد بعضنا إلى أرذل العمر دون بعض؟ الحق سبحانه جعلها نماذج حتى لا نقول: يا ليت أعمارنا تطول لأن أعمار الجميع لو طالت إلى أرذل العمر لأصبح الأمر صعبا علينا، فمن رحمة الله بنا أن خلق الموت. ثم يقول تعالى: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ [الحج: 5]. أي: كما كان خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم أخرجه طفلا، وبلغ أشده، ومنهم من مات، ومنهم من يرد إلى أرذل العمر، كذلك الحال في الأرض: ﴿ وترى الأرض هامدة.. ﴾ [الحج: 5]. هامدة: ساكنة، ومنه قولنا للولد كثيرالحركة: اهمد ﴿ فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت.. ﴾ [الحج: 5] أي: تحركت ذراتها بالنبات بعد سكونها. والاهتزاز: تحرك ما كنت تظنه ثابتا، وليس ما كان ثابتا في الواقع لأن لكل كائن حركة في ذاته، حتى قطعة الحديد الجامدة لها حركة بين ذراتها، لكن ليس لديك من وسائل الإدراك ما تدرك به هذه الحركة.
ولو تأملت المغناطيس لأدركت هذه الحركة بين ذراته، فحين تدلك القضيب الممغنط وتمرره على قضيب آخر غير ممغنط في اتجاه واحد، فإنه يكتسب منه المغناطيسية، وتمرير المغناطيس في اتجاه واحد معناه تعديل للذرات لتحمل شحنة واحدة سالبة أو موجبة، فإن اختلف اتجاه الدلك فإن الذرات أيضا تختلف. إذن: في الحديد - رمز الصلابة والجمود - حركة وحياة تناسبه، وإن خيل إليك أنه أصم جامد في ظاهره. لذلك نقول ﴿ هامدة.. ﴾ [الحج: 5] يعني: ساكنة في رأي العلم، حيث لا نبات فيها ثم ﴿ اهتزت.. ﴾ [الحج: 5] يعني: زادت وربت وتحركت لإخراج النبات، إنما هي في الحقيقة لم تكن ساكنة مطلقا لأن فيها حركة ذاتية بين ذراتها. ومعنى: ﴿ وربت.. ﴾ [الحج: 5] أي: زادت عن حجمها، كما تزيد حبة الفول مثلا حين توضع في الماء، وتأخذ حظها من الرطوبة، وكذلك في جميع البقول، وهذه الزيادة في حجم الحبة هي التي تفلقها إلى فلقتين في عملية الإنبات، ويخرج منها زبان يتجه إلى أعلى فيكون الساق الذي يبحث عن الهواء، وإلى أسفل فيكون الجذر الذي يبحث عن الماء. وتظل هاتان الفلقتان مصدر غذاء للنبتة حتى تقوى، وتستطيع أن تمتص غذاءها من التربة، فإذا أدت هاتان الفلقتان مهمتهما في تغذية النبتة تحولتا إلى ورقتين، وهما أول ورقتين في تكوين النبتة. كذلك، نلاحظ في تغذية النبات أنه لا يأخذ كل غذائه من التربة، إنما يتغذى بنسبة ربما 90 بالمائة من غذائه من الهواء، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة إذا نظرت إلى إصيص به زرع، فسوف تجد ما نقص من التربة كمية لا تذكر بالنسبة لحجم النبات الذي خرج منها. وحين تتأمل جذر النبات تجد فيه آية من آيات الله، فالجذر يمتد إلى أن يصل إلى الرطوبة أو الماء، حتى إذا وصل إلى مصدر غذائه توقف، ولك أن تنظر مثلا إلى كوز الحلبة فسوف تجد الجذور غير متساوية في الطول، بحسب بعد الحبة عن مصدر الرطوبة. ﴿ وربت.. ﴾ [الحج: 5] أي: زادت وانتفشت، كما يحدث في العجين حين تضع فيه الخميرة ﴿ وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ [الحج: 5]. هذه صورة حية واقعية نلاحظها جميعا عيانا: الأرض تكون جرداء ساكنة، لا حركة فيها، فإذا ما نزل عليها الماء تغيرت وتحركت ذراتها وتشققت عن النبات، ولو حتى بالمطر الصناعي، كما نرى في عرفة مثلا ينزل عليها المطر الصناعي فيخضر الوادي، لكن حينما ينقطع الماء يعود كما كان لعدم موالاة الماء، ولو واليت عليها بالماء لصارت غابات وأحراشا وبساتين كالتي نراها في أوروبا. والمطر لا يحتاج أن تسوى له الأرض لأنه يسقي المرتفع والمنخفض على السواء، على خلاف الأرض التي تسقيها أنت لا بد أن تسويها للماء حتى يصل إليها جميعا.