وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم..
[الأعراف: 172]. لذلك يسمي الله تعالى إرسال الرسل بعثا فيقول:
بعث الله رسولا
[الفرقان: 41] بعثه: كأنه كان موجودا وله أصل في رسالة مباشرة من الله حين أخذ العهد على عباده، وهم في ظهر آدم عليه السلام، كما يخاطب الرسول بقوله:
فذكر إنمآ أنت مذكر
[الغاشية: 21] أي: مذكر بالعهد القديم الذي أخذناه على أنفسنا. لذلك اقرأ الآية:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ..
[الأعراف: 172]. هذا في مرحلة الذر قبل أن يأتي الهوى في النفوس
أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون
[الأعراف: 172-173]. إذن: بعث الله الرسل لتذكر بالعهد الأول، حتى لا تحدث الغفلة، وحتى تقيم على الناس الحجة. ثم يقول تعالى: ﴿ ثم من علقة.. ﴾ [الحج: 5] سميت النطفة علقة لأنها تعلق بالرحم، يقول تعالى في آية أخرى:
ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى
[القيامة: 37-38]. فالمني هو السائل الذي يحمل النطفة، وهي الخلاصة التي يتكون منها الجنين، والعلقة هنا هي البويضة المخصبة، فبعد أن كان للبويضة تعلق بالأم، وللحيوان المنوي النطفة تعلق بالأب، اجتمعا في تعلق جديد والتقيا ليتشبثا بجدار الرحم، وكأن فيها ذاتية تجعلها تعلق بنفسها، يسمونها زيجوت.
ومنها قولهم: فلان هذا مثل العلقة إذا كان ملازما لك. بعد ذلك تتحول العلقة إلى مضغة ﴿ ثم من مضغة.. ﴾ [الحج: 5] والمضغة: هي قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ من الطعام، وهو خليط من عدة أشياء، كما لو أكلت مثلا قطعة لحم مع ملعقة خضار مع ملعقة أرز، وبالمضغ يتحول هذا إلى خليط، ذلك لأن جسم الإنسان لا يتكون من عنصر واحد، بل من ستة عشر عنصرا. هذه المضغة ﴿ مخلقة وغير مخلقة.. ﴾ [الحج: 5] معنى مخلقة يعني: يظهر عليها هيكل الجسم، وتتشكل على صورته، فهذه للرأس، وهذه للذراع، وهذه للرجل وهكذا، يعني تخلقت على هيئة الإنسان. أما غير المخلقة، فقد عرفنا مؤخرا أنها الخلايا التي تعوض الجسم وترقعه إذا أصابه عطب فهي بمثابة احتياطي لإعادة تركيب ما تلف من أنسجة الجسم وترميمها، كما يحدث مثلا في حالة الجرح فإن تركته لطبيعة الجسم يندمل شيئا فشيئا، دون أن يترك أثرا. نرى هذا في أولاد الفلاحين، حين يجرح الواحد منهم، أو تظهر عنده بعض الدمامل، فيتركونها لمقاومة الجسم الطبيعية، وبعد فترة تتلاشى هذه الدمامل دون أن تترك أثرا على الإطلاق لأنهم تركوا الجسم للصيدلية الربانية. أما إذا تدخلنا في الجرح بمواد كيماوية أو خياطة أو خلافه فلا بد أن يترك أثرا، فترى مكانه لامعا لأن هذه المواد أتلفت مسام الجسم لذلك نجد مثل هذه الأماكن من الجسم قد تغيرت، ويميل الإنسان إلى حكها وهرشها لأن هذه المسام كانت تخرج بعض فضلات الجسم على هيئة عرق، فلما انسدت هذه المسام سببت هذه الظاهرة. هذا كله لأننا تدخلنا في الطبيعة التي خلقها الله. إذن: فمعنى ﴿ وغير مخلقة.. ﴾ [الحج: 5] هي الصيدلية التي تعوض وتعيد بناء ما تلف من جسم الإنسان. ثم يقول سبحانه: ﴿ لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى.. ﴾ [الحج: 5] أي: نوضح لكم كل ما يتعلق بهذه المسألة ﴿ ونقر في الأرحام ما نشآء.. ﴾ [الحج: 5] وهي المضغة التي قدر لها أن تكون جنينا يكتمل إلى أن يولد لذلك قال: ﴿ إلى أجل مسمى.. ﴾ [الحج: 5] أو نسقطه ميتا قبل ولادته. فإن قلت: وما الحكمة من خلقه وتصويره، إن كان قد قدر له أن يموت جنينا؟ نقول: لنعرف أن الموت أمر مطلق لا رابط له ولا سن، فالموت يكون للشيخ كما يكون للجنين في بطن أمه، ففي أي وقت ينتهي الأجل. وقوله تعالى: ﴿ ثم نخرجكم طفلا.. ﴾ [الحج: 5] قال: ﴿ نخرجكم.. ﴾ [الحج: 5]بصيغة الجمع ولم يقل: أطفالا إنما ﴿ طفلا.. ﴾ [الحج: 5] بصيغة المفرد، لماذا؟ قالوا: في اللغة ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، فطفل هنا بمعنى أطفال، وقد وردت أطفال في موضع آخر في قوله سبحانه: