والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى
[الضحى: 1-4]. والمعنى: إن كان النهار لحركة الحياة واستبقائها، والليل للراحة والسكون، فهما آيتان متكاملتان لا متضادتان، وليس معنى أن يأتي الليل بسكونه أن النهار لن يأتي من بعده، بل سيأتي نهار آخر، وستستمر حركة الحياة. وكذلك الأمر إن فتر الوحي عن رسول الله، فلا تظنوا أنه انقطع إلى غير رجعة، بل هي فترة ليرتاح فيها رسول الله، كالليل الذي ترتاحون فيه من عناء العمل في النهار، ومن هنا كانت الحكمة في أن يقسم سبحانه وتعالى بالضحى والليل إذا سجى على
ما ودعك ربك وما قلى
[الضحى: 3]. ونلحظ في هذا التعبير دقة الإعجاز في أداء القرآن، حيث قال:
ما ودعك..
[ضحى: 3] بكاف الخطاب لأن التوديع يكون لمن تحب ولمن تكره، أما في القلى فلم يقل: قلاك. لأن القلى لا يكون إلا لمن تكره. ومعنى:
وللآخرة خير لك من الأولى
[الضحى: 4] الآخرة أي: الفترة الأخيرة من نزول الوحي خير لك من الفترة الأولى لأنها ستكون أوسع، وستأتيك بلا تعب ولا مشقة، وفعلا نزلت جمهرة القرآن بعد ذلك في يسر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان الأمر في الآية التي نحن بصددها: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك.. ﴾ [مريم: 64] فيقال: إنها نزلت حينما قال الكفار: إن رب محمد قد قلاه، أو أنها نزلت بعد أن سأل كفار مكة الأسئلة الثلاثة التي تحدثنا عنها في سورة الكهف. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:
" سأخبركم غدا "
لكن الوحي لم يأته مدة خمسة عشر يوما، فشق ذلك عليه وحزن له فنزلت: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك.. ﴾ [مريم: 64] أي: الملائكة لا تنزل إلا بأمر، ولا تغيب إلا بأمر. ثم يقول الحق سبحانه تعالى: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك.. ﴾ [مريم: 64]. قوله تعالى: ﴿ ما بين أيدينا.. ﴾ [مريم: 64] أي: الذي أمامنا ﴿ وما خلفنا.. ﴾ [مريم: 64] أي: في الخلف ﴿ وما بين ذلك.. ﴾ [مريم: 64] أي: ما بين الأمام والخلف، فماذا بين الأمام والخلف؟ ليس بين الأمام والخلف إلا أنت. فسبحانه وتعالى المالك، الذي له الملك والمملوك، وله المكان والمكين، وله الزمان والزمين. وقوله: ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ [مريم: 64] وهل يرسل الحق - تبارك وتعالى - رسولا، ثم ينساه هكذا دون إمداد وتأييد؟ فسبحانه تنزه عن الغفلة وعن النيسان. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ رب السماوات والأرض... ﴾.