39.58
﴿ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة ﴾ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿ فأكون من المحسنين ﴾ أي: في الإيمان والعمل الصالح. ثم رد تعالى على تلك النفوس بقوله:
﴿ بلى قد جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت... ﴾.
39.59-60
﴿ بلى قد جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ﴾ أي: بنسبة ما يستحيل عليه من الولد والشريك، وتجويز ما يمتنع عليه من رضاه بما هم عليه، وأمره لهم، وغير ذلك من إفكهم ﴿ وجوههم مسودة ﴾ أي: لما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم، فالسواد حقيقي، أو لما يلحقهم من الكآبة، ويظهر عليهم من آثار الهيئات الظلمانية ورسوخ الرذائل النفسانية في ذواتهم، فالسواد مجاز بالاستعارة ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ أي: عن الإيمان والهدى.
39.61-62
﴿ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ﴾ أي: بفوزهم وفلاحهم لإتيانهم بأسباب الفوز، من الاعتقادات المبنية على الدلائل والأعمال الصالحة ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون * الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ أي: يتولى التصرف فيه كيف شاء.
39.63-66
﴿ له مقاليد السموت والأرض ﴾ أي: هو وحده يملك أمرها وخزائن غيوبها وأبواب خيرها وبركتها ﴿ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون * قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد ﴾ أي: خصه بالعبادة ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ أي: الصارفين ما أنعم به عليهم، إلى ما خلق لأجله.
فإن قيل: كان الظاهر (لو أشركت) لأن (أن) تقتضي احتمال الوقوع. وهو هنا مقطوع بعدمه. فالجواب: أن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها لأغراض. والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإيذان بغاية قبح الإشراك، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟ وإطلاق الإحباط هنا يستدل به من ذهب إلى أن الردة مبطلة للعمل مطلقا، كالحنيفية، وغيرهم يرى الإحباط مقيدا بالاستمرار عليه إلى الموت، وأنه هو المحبط في الحقيقة، وأنه إنما ترك التقييد به اعتمادا على التصريح به في آية أخرى، وهي قوله تعالى:
ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم
[البقرة: 217].