21.101-103
﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ أي: الخصلة الحسنى، وهي السعادة أو التوفيق ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ لأنهم في غرفات الجنان آمنون. إذ وقاهم ربهم عذاب السعير ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أي: صوتا يحس به منها، لبعدهم عنها وعما يفزعهم ﴿ وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ أي: للحشر كما قال تعالى:
ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموت ومن في الأرض
[النمل: 87] ﴿ وتتلقاهم الملائكة ﴾ أي: تستقبلهم مهنئين لهم قائلين ﴿ ههذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ أي: في الدنيا، وتبشرون بنيل المثوبة الحسنى فيه. وقوله تعالى: ﴿ يوم نطوي السمآء... ﴾.
21.104-107
﴿ يوم نطوي السمآء ﴾ أي: اذكره. أو ظرف ل ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ل ﴿ تتلقاهم ﴾. والطي ضد النشر. وقوله: ﴿ كطي السجل للكتب ﴾ أي: كما يطوي السجل وهو الكتاب. واللام في ﴿ للكتب ﴾ لام التبيان. ولذلك قرئ ﴿ الكتاب ﴾ بالإفراد. أو بمعنى (من) وفيه قرب من الأول. أو (الكتب) بمعنى المكتوب. أي: كطي الصحيفة على مكتوبها. فاللام بمعنى (على) وهو ما اختاره ابن جرير.
تنبيه
ما نقل عن ابن عباس أن السجل اسم رجل كان يكتب للنبي صلوات الله عليه، كما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، فأثر منكر لا يصح.
قال ابن كثير: وقد صرح بوضعه جماعة من الحفاظ، وإن كان في سنن أبي داود. منهم شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي.
وكذلك تقدم في رده الإمام ابن جرير وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل. وكتاب النبي صلوات الله عليه، معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل.
وصدق رحمه الله في ذلك. وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث.
وأما من ذكره في أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث. والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة. انتهى.
هذه الآية:
وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون
[الزمر: 67] وطي السماء: كناية عن انكدار نجومها، ومحو رسومها بفساد تركيبها واختلال نظامها. فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم. فيخرب العالم بأسره.
﴿ كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين ﴾ أي: منجزين إياه. ثم أشار إلى تحقيق مصداقه، بإعزاز المنبئ عنه، وإيراثه ملك جاحده بقوله تعالى: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ أي: العاملون بطاعته. المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. و ﴿ الزبور ﴾ علم على كتاب داود عليه السلام، ويقال المراد به: كل كتاب منزل. والذكر - قالوا - التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتب فيه كل شيء قبل الخلق، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ﴾ إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. أو إلى العبرة في إيراث الأرض الصالحين ودحر المجرمين. و(البلاغ) الكفاية. وقوله: ﴿ لقوم عابدين ﴾ أي: يعبدون الله، بما شرعه وأحبه ورضيه. ويؤثرون طاعته على طاعة الشياطين وشهوات النفس ﴿ ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ أي: وما أرسلناك بهذه الحنيفية والدين الفطري، إلا حال كونك رحمة للخلق، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين. وفي جعله نفس الرحمة مبالغة جلية. وجوز كون ﴿ رحمة ﴾ مفعولا له. أي: للرحمة، فهو نبي الرحمة.
تنبيه
قال الرازي: إنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا. أما في الدين فلأنه بعث والناس في جاهلية وضلالة وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم، لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم. فبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن يطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب. فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام. ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق، فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، وكان التوفيق قرينا له. قال الله تعالى: