الثالث: عد بعض الملاحدة ابتلاع الحوت يونس محالا. فكتب بعض المحققين مجيبا بأن هذا إنكار لقدرة الله فاطر السماوات والأرض. الذي له في خلقه غرائب. ومنها الحيتان المتنوعة الهائلة الجثث، التي لا يزال يصطاد منها في هذا العصر، وفي بطونها أجساد الناس بملابسهم.
وكتب آخر: لم يتعرض لتعيين نوع الحوت الذي ابتلع يونس. ولعله فيما قال قوم من المحققين، من النوع المعروف عند بعضهم (بالزفا) وهو من كبار الحيتان يكون في بحر الروم واسع الحلقوم، حتى أنه ليبتلع الرجل برمته، دون أن يشدخه أو يجرحه. حتى يبقى في الإمكان أن يخرج منه وهو حي، ومع ذلك فلم يكن بغير معجزة بقاؤه ثلاثة أيام في جوف هذا الحوت، ولبث مالكا رشده متمكنا من التسبيح والدعاء. انتهى.
الرابع: الجمع في قوله: ﴿ في الظلمات ﴾ إما على حقيقته، وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. أو مجاز، يجعل الظلمة لشدتها وتكاثفها في بطن الحوت كأنها ظلمات. والمراد منها أحد المذكورات، أو بطن الحوت. وقدمه الزمخشري ونظره بآية
ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمت
[البقرة: 17].
الخامس: قوله تعالى: ﴿ فاستجبنا له ﴾ أي: دعاؤه ﴿ ونجيناه من الغم ﴾ يعني: بأن قذفه الحوت إلى الساحل، قيل لم يقل: (فنجيناه) كما قال في قصة أيوب عليه السلام
فكشفنا
[الأنبياء: 84] لأنه دعا بالخلاص من الضر. فالكشف المذكور يترتب على استجابته. ويونس عليه السلام لم يدع، فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته. ورد بأن (الفاء) في قصة أيوب تفسيرية. والعطف هنا أيضا تفسيري. والتفنن طريقة مسلوكة في علم البلاغة. ثم لا نسلم أن يونس لم يدع بالخلاص ولو لم يكن دعاء لم تتحقق الاستجابة. واستظهر الشهاب في سر الإتيان بالفاء ثمة، والواو هنا غير التفنن المذكور. أن يقال: إن الأول دعاء بكشف الضر وتلطف في السؤال. فلما أجمل في الاستجابة، وكان السؤال بطريقة الإيماء ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية. وأما هنا، فإنه لما هاجر من غير أمر، على خلاف معتاد الأنبياء عليهم السلام، كان ذلك ذنبا. كما أشار إليه بقوله: ﴿ من الظلمين ﴾ فما أومأ إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه من سيئات الأبرار. فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته، وليس ما بعده تفسيرا له، بل زيادة إحسان على مطلوبه. ولذا عطف بالواو. انتهى.
السادس: قوله: ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ أي: إذا كانوا في غموم، وأخلصوا في أدعيتهم منيبين، لا سيما بهذا الدعاء، وقد روي في الترغيب آثار: منها عند أحمد والترمذي (دعوة ذي النون، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له).
وقوله تعالى: ﴿ وزكريآ... ﴾.