تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيروا

[الأنعام: 11]

أولم يسيروا

[الروم: 9]،

أفلم يسيروا

[يوسف: 109]،

فسيروا

[آل عمران: 137]،

وآخرون يضربون في الأرض

[المزمل: 20]،

ومن يهاجر في سبيل الله...

الآية [النساء: 100] - فهذه الآيات هي قرائن نيرة تؤذن بأن السيح معناه السير، فإنها وإن تكن من مادة أخرى، إلا أن معناه يلاقي معنى السيح، على أننا لا نعدم قرينة على ذلك من نفس المادة، وذلك كآية:

فسيحوا في الأرض

[التوبة: 2]، فكلمة (سيحوا) هنا تفسر ﴿ السائحون ﴾ في الآية هذه، وهم يقولون: خير ما فسرته بالوارد. وبالجملة، فصرف هذا اللفظ عن ظاهره تكسيل للأمة، وتدبير على فتور همتها، وضعف نشاطها، وحيلولة بينها وبين سعادة الإحاطة بآثار الأمم البائدة، ورؤية عمران المسكونة، الأمر الذي هو الآن الضالة المنشودة عند الغربيين، وفيه ستر لنور الكتاب الذي هو أول مرشد للعالم ألا يألوا جهدا في السير والسياحة، وأن ينقلب في البلاد أي تنقيب. وسيأتي تتمة لهذا في تفسير آية ﴿ سائحات ﴾ في سورة التحريم إن شاء الله تعالى.

قال الرازي: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس؛ لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس، فلا بد له من الصبر عليها، وقد يلقى أفاضل مختلفين، فيستفيد من كل ما ليس عند الآخر.

وقد يلقى الأكابر من الناس، فيحقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة، فينتفع بها، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحول الخاصة بهم، فتقوى معرفته. وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين. انتهى.

وقال بعضهم: لا يعزب عنك أيها اللبيب أنه تعالى حث بني الإنسان على السفر في محكم كتابه العزيز، وندد على من ارتدى منهم رداء الكسل، وأوقع نفسه في وهدة الخمول، وتلذذ بالتقاعد عن جوب البلاد، وقطع الوهاد، فقال تعالى:

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها

[الحج: 46]، وقال صلى الله عليه وسلم:

" سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا ".

وقد تكلم كثير من العلماء والحكماء والأدباء على مزايا السفر نظما ونثرا. ومن أجل فوائده زيادة علمه، وانتفاع غيره بما يعلمه وما يكتسبه، ومنها، وهو أعظمها، رضا ربه، ومزيد ثوابه بنفعه لعباده، وأحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعباده. وكذلك باتعاظه بأحوال الناس، واعتباره بأمورهم، واطلاعه في سياحته على الأسرار المكنونة، والحكم التي دبر الله بها أمر المخلوقات وأحكم بها صنع الكائنات. فمن وقف على سر الخالق زاد في تعظيمه وتقرب إليه بالطاعة والإمتثال لأوامره ونواهيه، وليس بخاف ما وقع للأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، والأولياء والصالحين، من التنقلات والأسفار، في القرى والأمصار، للنظر والإعتبار. ا ه.

الثاني: قال القاضي: إنما جعل ذكر الركوع والسجود، كناية عن الصلاة؛ لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة، وهو قيامه وقعوده، والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره. ويمكن أن يقال: القيام أول مراتب التواضع لله تعالى، والركوع وسطها، والسجود غايتها. فخص الركوع والسجود بالذكر، لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية، وتنبيها على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم. ذكره الرازي.

الثالث: ذكروا في سر العطف في موضعين من هذه النعوت وجوها:

فأما الأول: أعني قوله تعالى: ﴿ والناهون عن المنكر ﴾ فقالوا: سر العطف فيه إما الدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة وصفة واحدة؛ لأن بينهما تلازما في الذهن والخارج؛ لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة بحسب الظاهر، لأن أحدهما طلب فعل، والآخر طلب ترك، فكانا بين كمال الإتصال والإنقطاع المقتضي للعطف، بخلاف ما قبلهما، أو لأنه لما عدد صفاتهم، عطف هذين ليدل على أنه شيء واحد، وخصلة واحدة، والمعدود مجموعهما، كأنه قيل: الجامعون بين الوصفين، أو العطف لما بينهما من التقابل، أو لدفع الإيهام، وهذا معنى قول (المغني): الظاهر أن العطف في هذا الوصف إنما كان من جهة أن الأمر والنهي، من حيث هما أمر ونهي، متقابلان بخلاف بقية الصفات، أو لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر، وهو ترك المعروف، والناهي عن المنكر آمر بالمعروف.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٦٥