الثاني: قال بعضهم: لفظ ﴿ الصدقات ﴾ بعمومه يجمع الصدقة الواجبة والنافلة، ثم إن الصدقة الواجبة تتنوع أنواعا، منها الزكوات لما هو العشر أو نصف العشر، أو ربع العشر، وزكاة المواشي والفطرة والكفارات، نحو كفارة اليمين والظهار والصوم، وكذلك الهدي في الحج، ومنها ما يؤخذ من أموال الكفار ورؤوسهم؛ ولهذا سمى الله الغنائم صدقة في سبب نزول الآية، وذلك في قسمة غنائم (حنين)، فإذا كان اللفظ يعم ما ذكر، فهل تحمل الآية على عمومها في قسمتها على ما ذكر، أو يخصص البعض؟
ثم قال: والعلماء قسموا الصدقات، وجعلوا مصارفها مختلفة، والكفارة لم يذكر أنها تصرف في الثمانية المصارف. وقد ورد قوله تعالى:
إطعام عشرة مساكين
[المائدة: 89]
فإطعام ستين مسكينا
[المجادلة: 4]، وفي الحديث:
" أطعم عن كل يوم مسكينا "
، وورد في الفطرة:
" أغنوهم هذا اليوم "
وورد في الغنيمة:
واعلموا أنما غنمتم من شيء...
الآية [الأنفال: 41] - فهل هذه الأدلة مخصصة لعموم لفظ (الصدقات)؟ فإن الزكوات مجمع عليها في أن مصرفها الثمانية الأصناف، أم كيف تنزل الآية على القواعد الأصولية؟.
انتهى كلامه.
ولا يخفى كونها مخصصة لعموم لفظ الصدقات، لأن الخاص يقضي على العام. على أن المراد قصرها على هذه الأصناف، فكل ما ذكر لم يخرج عنها، لشمولها له. والله أعلم.
الثالث: ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾ حكمهم باق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة من المسلمين والمشركين، فيعطون عند الحاجة. ويحمل ترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم، على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن الآية من آخر ما نزل، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر. ومنع وجود الحاجة على ممر الزمان، واختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف - لا يخفى فساده. كذا في (الإقناع) و (شرحه).
والمؤلفة كما في (الإقناع) هم رؤساء قومهم: من كافر يرجى إسلامه، أو كف شره، ومسلم يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو نصحه في الجهاد، أو في الدفع عن المسلمين، أو كف شره كالخوارج ونحوهم، أو قوة على جباية الزكاة ممن لا يعطيها. انتهى.
والرابع: قال في (الإكليل): استدل بعموم الآية من أجاز الدفع للفقير القادر على الاكتساب. وللذمي، ولمن تلزمه نفقته ولسائر القرابة، وللزوج، ولآله صلى الله عليه وسلم، حيث حرموا حظهم من الخمس، ولمواليهم، ولمن جوز نقلها.
وقال ابن الفرس: يؤخذ من قوله تعالى: ﴿ والعاملين ﴾ جواز أخذ الأجرة لكل من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين. قال: وقد احتج به أو عبيد على جواز أخذ القضاة الرزق. فقال: قد فرض الله للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها حقا بقيامهم فيها وسعيهم، فكذلك القضاة يجوز لهم أخذ الأجرة على عملهم، وكذا كل من شغل بشيء من أعمال المسلمين.
الخامس: قال الزمخشري: فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى ﴿ في ﴾ ، في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره؛ لأن ﴿ في ﴾ للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها ومصبا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك الغارمين من الغرم - من التخليص والإنقاذ. ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال، وتكرير ﴿ في ﴾ ، في قوله تعالى: ﴿ وفي سبيل الله وابن السبيل ﴾ فيه فضل ترجيح لهذين، على الرقاب والغارمين. انتهى.
قال الناصر: وثم سر آخر هو أظهر وأقرب، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكا، فكان دخول اللام لائقا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن في مصالح تتعلق بهم.