لو خرجوا...
[التوبة: 47] الخ، وقد كرهه سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى:
ولكن كره الله انبعاثهم...
[التوبة: 46] الآية، نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم آثر ذي أثير، ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة، ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم، بأنهم غروه صلى الله عليه وسلم، وأرضوه بالأكاذيب. على أنه لم يهنأ لهم عيش، ولا قرت لهم عين، إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان، بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. انتهى.
قال الخفاجي: وحاول بعضهم توجيه كلام الكشاف بأن مراده أن الأصل فيه ذلك، فأبدله بالعفو تعظيما لشأنه، ولذا قدم العفو على ما يوجب الجناية، فلا خطأ فيه.
قال رحمه الله: ولو اتقى هو والموجه موضع التهم - كان أولى وأحرى. انتهى.
الثاني: استدل بالآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم أحيانا بالاجتهاد، كما بسطه الرازي.
قال السيوطي في (الإكليل): واستدل بها من قال: إن اجتهاده قد يخطئ ولكن ينبه عليه بسرعة.
الثالث: قال الرازي: دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحق من التقريب أو الإبعاد.
الرابع: قال أبو السعود: تغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام - للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين، وأن ما صدر من الآخرين، وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص، لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة، ناشئ عن رسوخهم في الكذب. ودقق رحمه الله في بيان لطائف أخر. فلتراجع.
الخامس: قيل نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار في قوله تعالى: ﴿ لا يستأذنك ﴾ يفيد نفي الاستمرار. وهذا معنى قول الزمخشري: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك. اه.
قال النحرير: ولا يبعد حمله على استمرار النفي كما في أكثر المواضع، أي عادتهم عدم الاستئذان.
قال الناصر: وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي له معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما، فإن الإستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، وصلوات الله على خليله وسلامه، لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى شيئا من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم، فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الخلة الجميلة، والآداب الجليلة، فقال تعالى:
فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين
[الذاريات: 26] أي: ذهب على خفاء منهم، كيلا يشعروا به، والمهتم بأمر ضيفه بمرأى منه، ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة، فهذا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها ذوو المروءة، وأولو القوة. وأشد من الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين، التثاقل عن المبادرة إليه، بعد الحض عليه والمناداة. وأسوأ أحوال المتثاقل، وقد دعي الناس إلى الغزاة، أن يكون متمسكا بشعبة من النفاق. نعوذ بالله من التعرض لسخطه.
ثم بين تعالى جلية شأن أولئك المنافقين المستأذنين بأنهم لم يريدوا الخروج للجهاد حقيقة، ولذلك خذلهم، فقال سبحانه:
﴿ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره... ﴾.