أحدهما: أن يراد به أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ يفوهون به، فارغ من معنى تحته، كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم، لا تدل على معان. وذلك أن القول الدال على معنى، لفظه مقول بالفم، ومعناه مؤثر في القلب، وما لا معنى له، مقول بالفم لا غير.
والثاني: أن يراد بالقول المذهب، كقولهم (قول أبي حنيفة)، يريدون مذهبه، وما يقول به، كأنه قيل: ذهب مذهبهم ودينهم بأفواههم، لا بقلوبهم؛ لأنه لا حجة معه ولا شبهة، حتى يؤثر في القلوب. وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له، لم تبق شبهة في انتفاء الولد. انتهى.
وثمة وجه ثالث شائع في مثله، وهو التأكيد لنسبة هذا القول إليهم، مع التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة. قال بعضهم: القول قد ينسب إلى الأفواه وإلى الألسنة، والأول أبلغ.
﴿ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ﴾ أي: يضاهئ قولهم قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم، فضلوا كما ضل أولئك. قيل: المراد ب: ﴿ الذين كفروا ﴾ مشركوا مكة، القائلون بأن الملائكة بنات الله، وهذا يتم إن أريد ب (اليهود والنصارى) في الآية، يهود المدينة ونصارى نجران في عهده صلى الله عليه وسلم، وهو وجه في الآية كما تقدم، فإنهم سبقوا من أهل مكة بالكفر به صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد بهم قدماؤهم، يعني أن من كان في زمنه صلى الله عليه وسلم منهم، يضاهئ قولهم قول قدمائهم، والمراد عراقتهم في الكفر، أي: أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث.
قال أبو السعود: وفيه أنه لا تعدد في القول، حتى يتأتى التشبيه، وجعله بين قولي الفريقين، مع اتحاد المقول، ليس فيه مزيد مزية.
وقيل: الضمير للنصارى، أي: يضاهئ قولهم: ﴿ المسيح ابن الله ﴾ قول اليهود: ﴿ عزير... ﴾ الخ لأنهم أقدم منهم.
قال أبو السعود: وهو أيضا كما ترى، فإنه يستدعي اختصاص الرد والإبطال بقوله تعالى: ﴿ ذلك قولهم بأفواههم ﴾ ، بقول النصارى. انتهى.
والمضاهاة المشابهة، يقال: ضاهيت، وضاهأت - كما قاله الجوهري - وقراءة العامة يضاهون، بهاء مضمومة بعدها واو. وقرأ عاصم بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة، وهما بمعنى من المضاهأة، وهي المشابهة، وهما لغتان. وقيل: الياء فرع عن الهمزة، كما قالوا: قريت وتوضيت وأخطيت ﴿ قاتلهم الله ﴾ أي: لعنهم أو قتلهم، أو عاداهم أو تعجب من شناعة قولهم: ﴿ أنى يؤفكون ﴾ أي: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل.