ووجود جميعها جامع واحد، وهو قديم لا أول له، كما لا أول لوجود الصانع عند مثبتيه من حيث اتحد وجوده. وإنما الذي يصعب موقعه على الدهرية: إثبات حوادث، كل حادث منها ينفصل عن سارها، ثم تتوالى إلى غير أول. فإذا سوغ إثبات شامل واحد جامع، اندفعت عنهم الطلبات. ولو جاز إثبات كلى وبعض في الناسوت، لجاز ذلك في الأعراض، حتى يقال: قد يجمع جميعها شامل واحد ثم تنقسم هي إلى جزئيات. والنصارى لم يلتزموا شيئا من ذلك واليس لهم من الالتزام أو نقض أصلهم بُدّ.
ثم نقول: إنما الذي يعقل من الناس صور وأظلال وأشباح، وكل صورة تتميز عن سائر الصور، وليس تتعدى منه صورة إلى صورة. وإنما الذي ظنوه جامعاً عموم الصيغة، وسموا اللفظة المتناولة للآحاد والأفراد، وذلك لا يرجع إلى الذوات.
ثم نقول لو اتحدث الكلمة بالناسوت العام الجامع، والناسوت العام شامل للجزئيات، فيجب من ذلك أن يكون كل جزئ مسيحاً، أو لا يكون جزئ مسيحيا، إذ الإنسان الكلى لا يختص بجزء، ولا يستقل الإنسان الكلى بنفسه دون الجزئيات. فيلزم من جرد ذلك أحد أمرين: أحدهما: أن كل ماله كلّ جزء من حيث تعلق ذكر الكلى به، إذ لا يثبت الثابت إلا لكل الجزئيات معا. فبطل ما قالوه من كل وجه، ولم يبق التموثهاتهم معنى.
وأما الذي قالوا إن مريم كلى، ناقضوا من وجهين: أحدهما أنهم قالوا: اتحدت الكلمة بالكلى، واعترفوا بأنها لم تتحد بمريم. والوجه الآخر: أن إثبات كليين من وجه واحد لجزئيات، محال، وإن كانت مريم كلاّ، كانت كلا للمسيح، وكان المسيح كلا لها، فكيف يكون الشيء كلا لما هو كل له؟ وهذه غاية في الجهالة لا يرتضيها عاقل.