لا ينكرون شيئا مما ذكرناه في حكم الناسوت. فإذا ثبت ذلك قلنا: كيف يكون شبح من الأشباح، وشخص من الأشخاص، كل الناس، مع العلم أنه يغاير آحادهم ويغايرونه، ويباينهم وسيباينونه، وهذا جحد الضرورة ومراغمة البديهة! ثم قد اعترفوا بأنه مولود من مريم، صلوات الله عليهما؛ وكيف يحتوي الجزء على الكل الذي هو جزء منه لو لا الوقاحة والحمق؟
فإن زعموا أن ناسوت المسيح، لم يكن ما رؤى منه، إنما كان أمراً باطلناً لا يرى، يعم جزئيات الناس. وهذا من أعظم الجهالات، فإنهم وافقونا في أن المسيح رؤى إنسانا، ويستحيل أن يكون كليا جزئيا. فإن ذل كمتناقض واللاهوت منه هو الذي لا يرى عندهم دون الناسوت. وأما تقسيم الناسوت إلى مرئي وغير مرئ فلم يصر إليه أحد منهم، فإنهم قطعوا بأن ناسوت المسيح يقبل كل ما يقبله كل ناسوت. والذي يحقق القول في ذلك، أنه لو ثبت له ناسوت جزئ وقد سماه بعضهم برائيا، وناسوت كلى وقد سماه بعضهم حرانيا، ولو سئلوا عن كونه جزئيا كليا، امتنعوا منه، فنقول: قد ثبت كونه جزئيا قطعا، وقد أطيتمونا ذلك، فإن قدرنا ناسوتا كليا، فيستحيل أن يكون الكلى غير مختص به. فيخرج من ذلك أنه جزئ، له حكم الكلى على معنى أن الكلى يشمله. فإما أن يكون جزئيا، وعين الجزئي كلى، فهو متناقض، يقطع الكلام عن ملتزمة. وإن تحقق في الناسوت شيء شامل للآحاد، جامع للجزئيات يستحيل أن يكون ذلك الجامع جزئاً بديهة وضرورة. بل كل جزء من ذلك الجامع مع حكم، ولكل جزء ارتباط بالجامع، واندراج تحته. فكل إنسان إذا جزئ كلى على ذلك، ولا اختصاص للمسيح. وهذا يقطع دابرهم ويحسم تشغبهم.
ثم نقول: لو جاز تقدير إنسان جامع، جاز تقدير وجود جامع لجملة الحوادث، حتى تكون الموجودات جزئيات، يجمعها وجود كلى، ويلزم من هذا الدهر. فإن ذلك لو ثبت، استقام للملحدة أن يقولوا: الحوادث لا نهاية لها،