تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجوهر الحادث. فإن أصل وجوده افتقر إلى القدرة، واستمرار وجوده يفتقر إلى تجدد البقاء، فليس تتحقق له القيام بالنفس.

وهذه الطريقة أقرب إلى مأخذ اللغة من الأولى، فإن العرب إنما تعبر بالقائم بالنفس عن من تقدر فيه استقلال وعدم افتقار. وقد عبر بعض الأئمة عن القائم بالنفس، فقال: هو الفعل لما يشاء من غير معين. وهذا نص مذهب العرب، فإنهم يقولون لمن يقدرونه مستبداً بنفسه، غير محتاج إلى استنصار واستظهار بالأغيار، وهو قائم بنفسه، فلا قائم إذا بالنفس إلا الله. فإذا منعناهم من وصف القيام بالنفس شاهداً، لم يتأت لهم ترتيب صفة الجوهر على القيام بالنفس شاهداً، ليرتبوا عليه ارتباط الوصفين غائباً.

فإن قالوا: أنتم، وإن منعتم ما ذكرتموه لفظاً، فالذي عنيناه من حيث المعنى، غير منكر.

قلنا: لسنا نخالفكم الآن في معنى، وإنما نناقشكم في عبارة. فإذا صددناكم عنها، وأوضحنا تحكمكم على اللغة فيها، فقد استتب معتمدنا. وقد ذكر شيخنا أبو الحسن في بعض ((أما ليه)) أنه لا معنى للقائم بالنفس شاهداً ولا غائباً. ولا يدل على إثبات ذلك عقل ولا سمع ممولا معول على ما يتجوز به المتحضرون في محاوراتهم. فلم يشع في العرب العاربة القيام بالنفس. ولورد إلى التحقيق لزم أن يكون قائماً بقيام، فقد بنوا أصلهم على ما لا أصل له.

ثم نقول: لو سلم كل ما ادعيتموه، فلم تحكمتم في التسمية مع صحة المعنى؟ ولم جوزتم ذلك؟ فهلا جوزتم تسمية الله تعالى سخياً من حيث كان جواداً، وتسميته فقيها من حيث كان عالما؟ فقد انسدت عليكم مسالك الكلام من كل وجه. ثم تلزمون أن تسموا الرب تعالى جمسا مع الخرج عن قضية اللغة. فإن قالوا: إنما ميناه جوهرا من حيث وجدنا أصل الشيء اللسان يعبرون عن أصل الشيء بالجوهر، ويسمون

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٤٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٤٧٩