قلنا: هذا مبلغ منكم إلى الكفر بظن، وتخمين، وحدس. فإن ما يجوز القرب منه بالذات، فهو متحد ومتناهي الأقدار، ولا يجترئ على اعتقاد ذلك بالظنون والتجاوزات إلا منهمك في الجهل.
فنقول: لم زعمتم أن فائدة العروج به ما قلتم؟ ومن أطلعطم على مراد الله ومعلومه؟
ثم لو جاز ذلك، جاز اثبات الإله في جهة الطور من حيث آثر موسى بقصده، وأمّه ليسمح كلامه. ثم لم يدل ذلك على كون القديم في جهة الطور.
ثم نقول: بم تنكرون على من يزعم أنه عرج به ليرى ملكوت السموات، ومواقع الملائكة وعباداتهم، وما خصصوا به من ضروب الكرامات، وليرى الجنة والنار، والأفق الأعلى، والروحانيين، وعباد الله الصالحين، والعرش وحملته إلى غير ذلك مما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلم قطعتم بمحمل العروج على مقصودكم، والأفعال لا ظواهر لها؛ بل هي مترددة كما قدرناه في الإشارة؟
فإن سالوا عن قوله، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدني)).
قلنا: ليس في هذه الآية تصريح بذكر الإله، وإضافة القرب إليه، فلم ادعيتم أنه سبحانه وتعالى هو المعنى بمضمون الآية؟ ولم وصفتم ربكم بالحد والمقدار بتوهم منكم وظن؟ ثم نقول: لعله صلى الله عليه وسلم قرب من درجة لم يبلعها إلا أرفع الخلائق وأعلاهم شأناً. ثم نقول: الدنو يحمل على القرب والطاعة، وذكر ((قات قوسين)) تأكيداً له. وهو كما حمل قوله: إذا تقرب العبد إلىّ ذراعاً.