هل ورد دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع بانتفاع الموتى بقراءة القرآن عليهم
أم لا؟ فإن كان ورد شيء يؤيد ذلك فما معنى قوله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما
سعى} (النجم: 39) الرجاء كشف النقاب عن هذه المسألة ولكم الفضل.
(ج) لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع شيء يثبت انتفاع
الأموات بقراءة غيرهم القرآن عليهم، والآية ناطقة بأن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله
وكسبه، ومنه ما يبقى أثره أو عينه بعد موته كالصدقه الجارية والعلم النافع والذرية
الصالحة، ولذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع
عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه
مسلم وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة.
فهذه الثلاث ملحقة بعمل الإنسان ومعتبرة منه فلا حاجة إلى ما قاله بعضهم من
تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم: 39) .
بالحديث إذ لا منافاة. ومثل ذلك يقال فيمن سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل
يتصدق عن أبيه، ومن سأله هل يتصدق عن أمه، وإجابته إياهم بنعم ومنهم سعد بن
عبادة الذي سأله: أي الصدقة أفضل؟ فقال: سقي الماء. ولم يرد مثل ذلك إلا في
صدقة الأبناء عن الوالدين. وقد ألحقوا بهم غيرهم في الصدقة، ولا دليل على ذلك إلا
إذا صح القياس في الأمور التعبدية. وخصوا الآية بالعبادات البدنية كالصلاة
والقراءة.
وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بالآية على أن ثواب القراءة
لا يلحق الأموات، وهو مذهب مالك أيضا. ولا نخوض هنا في خلاف العلماء
وتأويلهم؛ لأن السائل لم يسأل عن ذلك.
وأما حديث (اقرأوا يس على موتاكم) فقد رواه أبو داود وابن ماجه
والنسائي وابن حبان وصححه وأحمد بلفظ آخر. ولكن ابن القطان أعله بالاضطراب
وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه من رجال سنده، وقال الدارقطني: هذا حديث
ضعيف الإسناد مجهول المتن. وتصحيح ابن حبان لا يعول عليه مع هذا الجرح؛
لأنه كان يتساهل بالجرح فيعتمد جرحه دون تعديله إذا انفرد به كما صرح به
الذهبي في (ميزان الاعتدال) على أنه فسره في صحيحه بقراءتها عند المحتضر
فقال: (أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه) وخالفه المنتصرون
للقراءة على الأموات. ولو أن في الباب حديثا صحيحا لما احتاجوا للاستدلال
بحديث وضع الجريدتين على القبر، ولا دلالة فيه كما هو ظاهر.
***
اتخاذ الصور
(س3) أحمد أفندي صادق الدباغ بالإسكندرية: ما حكم اتخاذ الصور وهل
يحرم تزيين المنازل بها؟
(ج) اختلف العلماء في اتخاذ الصور فقيل: إنه محرم مطلقا. وقيل: إن
المحرم منها ما له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه. وقيل: إن المحرم هو ما
اتخذ بهيئة تعظيم، وهذا أقوى الأقوال عندي لوجهين:
أحدهما حديث عائشة عند أحمد والبخاري ومسلم وهو:
(أنها نصبت سترا وفيه تصاوير فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونزعه. قالت: فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما) وفي لفظ أحمد (فقطعته
مرفقتين فلقد رأيته متكئا على إحداهما وفيها صورة) المرفقة: المتكأ والمخدة،
ولو كانت الصورة ممنوعة لذاتها لأزالها من المرفقة، وإنما هتك الستر؛ لأنه كان
منصوبا كالصور المعبودة فهو يذكر بها وفيه تشبه بعابديها.
ثانيهما: العلة الحقيقية في النهي عن التصوير والصور المعظمة وهي محاكاة
عباد الأصنام لا ما قالوا من أن فيها محاكاة خلق الله، فإن هذه العلة تقتضي تحريم
تصوير الشجر والجماد، وقد نقل بعضهم الإجماع على حله. فإذا انتفت العلة انتفى
المعلول والله تعالى أعلم.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">