تقرب الاعتقاد بها من العقول، وهذا مما امتاز به على سائر الكتب السماوية
التي سكتت عن ذلك أو أشارت إليه من طرف خفي، ولا غرو، فنبي القرآن هو
نبي الساعة، وقد عرفنا من أسلوب القرآن الانتقال من محاجة الزائغين في عقائدهم
وتقاليدهم إلى الدعوة إلى القرآن واتباع من جاء به، وتتمة الآية تؤيد هذا القول
الأخير، فظهر أن لا دليل في القرآن على نزول المسيح، وأما الأخبار فقد ورد فيها
ذلك فتلقاه الناس بالقبول لا سيما بعد اشتهار كتابي الشيخين ولكنهم لم
يذكروه في العقائد الإسلامية؛ لأنه ليس قطعيا.
ومما يستحق الذكر أن القول بظهور المسيح في آخر الزمن قد اتفق فيه
المسلمون مع اليهود والنصارى في الجملة، ولكنهم اختلفوا في التفصيل، فاليهود
ينتظرون مسيحا جديدا يجدد ملك إسرائيل ولذلك يسعون لتحقيق هذه الأمنية سعيا
ماديا يناسب الملك. والنصارى ينتظرون مجيء المسيح في ملكوته وصليبه ليدين
العالمين ويحاسبهم على نحو ما يعتقد المسلمون في الآخرة. والمسلمون يعتقدون أن
المسيح ينزل في آخر الزمان فيكسر الصيلب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقيم
الشريعة الإسلامية ويصلي مأموما وراء أحد أئمة المسلمين ليظهر أن الدين عند الله
الإسلام.
وقد بنت فرقة البهائية دينها على أساس هذا الاتفاق الإجمالي بين أهل الأديان
السماوية، وزعموا أن زعيمهم (بهاء الله) دفين عكا هو المسيح المنتظر، وأن
الباب هو المهدي الذي يقول المسلمون: إن ظهوره يتقدم ظهور المسيح. ولهم سبح
طويل في تأويل الأحاديث وأقوال الصوفية الواردة في المهدي والمسيح وتطبيقها
على الباب والبهاء وعندما يدعون النصارى إلى دينهم يعترفون بأن المسيح كان إلها
كاملا ويقولون: إنه لم يكن إلها بجسمه بل بروحه وهذه الروح الإلهية نفسها هي التي
حلت في البهاء فهو إله كامل ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ (الصافات: 180) .
وفي الهند قائم يدعي الآن أنه المسيح عيسى ابن مريم وكان من مشايخ الطريق
وأهل العلم الإسلامي، وقد رددنا عليه في مجلد المنار الثالث ورددنا على البهائية
أيضا، وإن لنا لعودة إن شاء الله تعالى.
وإن من النصارى من يحمل ظهور المسيح أو نزوله في آخر الزمان على أن
الصفات التي امتاز بها والتعاليم التي كان يرشد إليها هي التي تكون سائدة في الناس
وهي المحبة والمسالمة والمؤاخاة والأخذ بمقاصد الدين والشريعة دون الوقوف عند
الرسوم الظاهرة التي قالوا: إنه طمسها من اليهودية. ثم عاد المنتسبون إليه فوضعوا
لهم رسوما غيرها ربما تزيد عليها من بعض الوجوه. وهذا التأويل على حد (ظهر
في المسلمين عمر) إذا قام فيهم ملك عادل (وهذا الجيش يقوده نابليون) إذا كان
قائدة شجاعا مدربا ولا حاجة للمسلمين بالتأويل إلا إذا ثبت أن الأخبار الواردة
متواترة ويعارضها قطعي آخر ككون محمد خاتم النبيين صلى الله عليهم أجمعين.
فعلم من هذا أنه لا يكون زمن فترة يضيع فيها الإسلام فيجدده المسيح، وإنما يبقى
الإسلام معمولا به إلى قيام الساعة كما ورد في الحديث الصحيح.
هذا وإن لفظ النزول يستعمل بمعنى الخروج كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ (الحديد: 25) فإذا احتجنا للتأويل نقول: إن معنى حديث نزول عيسى هو ظهور
حقيقته بظهور الإسلام واستعلاء برهانه فيعلم النصارى أن المسيح بشر لا إله، وأن
دين الله واحد لا فرق فيه بين عيسى ومحمد وغيرهما من الرسل، وهو توحيد الله
والإيمان بلقائه في الآخرة ووجوب عمل الخير وترك الشر وما يتفرع عن هذه
الأصول، ولا شك أن الترقي في علم النفس وعلم الكون سيرتقي بالناس إلى هذه
المعرفة {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف
بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت: 53) .
***
انتفاع الموتى بالقراءة
(س2) من الشيخ أحمد حسن يوسف معمر بالأزهر: