تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نبت عيناه عنهم ووقعت عيناه علي فأشار إلي بيده فقال: أين نزلتم؟ قلت في مكان

كذا وكذا فقال أرني يدك فقام معنا إلى مناخ ركبنا فجعل يتخللها ببصره، ثم قال:

ألا اتقيتم الله في ركابكم هذه؟ أما علمتم أن لها عليكم حقا؟ ألا تقصدتم بها في

المسير؟ (وفي راوية: قصدتم. وهما بمعنى التوسط) ألا حللتم عنها فأكلت من نبت

الأرض؟ فقلنا يا أمير المؤمنين إنا قدمنا بفتح عظيم فأحببنا أن نسرع إلى أمير

المؤمنين وإلى المسلمين بالذي يسرهم فحانت منه التفاتة فرأى عيبتي فقال: لمن

هذه العيبة؟ قلت لي يا أمير المؤمنين. قال: فما هذا الثوب؟ قلت ردائي. قال: بكم

ابتعته، فألقيت ثلثي ثمنه فقال: إن رداءك هذا لحسن لولا كثرة ثمنه! ثم انطلق

راجعا ونحن معه فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين انطلق معي فأعذني على فلان

فإنه قد ظلمني. فرفع الدرة فخفق بها رأسه [17] وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو

معرض لكم حتى إذا أشغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعذني أعذني.

فانصرف الرجل وهو يتذمر فقال: علي الرجل. فألقى المخفقة فقال: امتثل. فقال:

لا والله، ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا. إما تدعها لله إرادة ما عنده،

أو تدعها لي فأعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: فانصرف ثم مضى حتى دخل منزله

ونحن معه، ففتح الصلاة فصلى ركعتين وجلس فقال: يا ابن الخطاب كنت وضيعا

فرفعك الله وكنت ضالا فهداك الله وكنت ذليلا فأعزك الله ثم حملك على رقاب

المسلمين فجاءك رجل يستعديك فضربته. ما تقول لربك غدا إذا أتيته؟ قال فجعل

يعاتب نفسه في ذلك معاتبة ظننا أنه خير أهل الأرض.

فأين أمراؤنا اليوم؟ وما مبلغ معرفتهم بالله وخوفهم منهم وتعظيمهم له. أعرف

أن بعض من يتراءى بالدين ويفتخر بأنه يصلي قال له قائل مرة: ورد في الحديث

(الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ومولاي من أئمتهم فأنا عملا

بالحديث أقدم له هذه النصيحة في شأن كذا. فغضب عليه غضبا شديدا؛ لأنه وجه

إليه النصيحة ومثله أعلى في اعتقاده من أن ينصح، وإن كان الحديث ناطقا بأن

النصيحة لله ولرسوله. ومثل هذه من أمرهم لا يحصى.

***

(5) روى الدينوري في (المجالسة) عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قدم

بريد ملك الروم على عمر بن الخطاب، فاستقرضت امرأة عمر بن الخطاب دينارا

فاشترت به عطرا فجعلته في قوارير، وبعثت به مع البريد إلى امرأة ملك الروم فلما

أتاها فرغتهن وملأتهن جواهر وقالت اذهب إلى امرأة عمر بن الخطاب فلما أتاها

فرغتهن على البساط فدخل عمر فقال: ما هذا؟ فأخبرته بالخبر، فأخذ عمر الجواهر

فباعها ودفع إلى امرأته دينارا وجعل ما بقي من ذلك في بيت مال المسلمين. اه

وفي الأثر من الفقه: أن الهدية وإن كانت مكافأة على هدية أخرى فهي لأجل أن

امرأة عمر امرأة أمير المؤمنين لا لذاتها فيجب أن يكون ما أخذ بجاه أمير المؤمنين

للمؤمنين، ولكن الملوك والأمراء على المؤمنين في هذه العصور قد ملأوا قصورهم

جواهر من بيت مال المؤمنين، وهم يهدون منها ويهبون بلا معارض ولا منازع.

وفيه أيضا الموادة والتحاب بالهدايا بين المسلمين وغيرهم وإن كانوا حربيين

ولكن في غير وقت الحرب وغير ما يتعلق بالحرب كالإعانة عليها فإن عمر لم ينكر

على امرأته إهداء العطر إلى ملكة الروم وهو يدل أن النساء أسرع إلى الائتلاف

والموادة بعضهن مع بعض من الرجال وهو مشاهد معروف.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة.

(2) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم، وقد طعن بمصعب بن ثابت من رجاله بأنه كان يغالط كثيرا على صدقه، ولا يضرنا هذا في هذا الحديث.

(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه وله طرق أخرى.

(4) رواه الدارقطني والطبراني والبيهقي وفي إسناده عبادة بن كثير وقد ضعف ولكن الحديث صحيح المتن.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٦٥