تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابن أبي حدرد إلى السوق وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة فنزع العمامة عن

رأسه فاتزر بها ونزع البردة فقال: اشتر مني هذه البردة فباعها منه بأربعة

الدراهم فمرت عجوز فقالت: ما لك يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فأخبرها فقالت: ها دونك هذا - لبرد عليها طرحته عليه. وقد أوردت هذا في أدب

المساواة وإن كان من باب آخر لمناسبة له. وانظر إلى شدة الإسلام في أداء

الحقوق، وإلى قساوة اليهود في أخذ دينهم فقد ترك اليهودي صاحب النبي صلى الله

عليه وسلم عريانا لا ساتر لعورته إلا عمامته لأجل أربعة دراهم لم ينظره بها.

*** ...

الاحتجاب عن المتظلمين

[7] عن عمرو بن مرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة إلا أغلق الله دونه أبواب

السماء دون خلته وحاجته وسكنته) استدلوا بالحديث على منع الحاكم من اتخاذ

حاجب لبابه لمجلس حكمه. والحديث ناطق بأن المراد منع المظلومين من

التقاضي والشكوى اشتغالا عنهم بشئون النفس أو حبا بالراحة أو ترفعا عن الناس

ونحو ذلك ولا يدخل في النهي الحجاب الذين يقفون على أبواب المحاكم لحفظ

النظام ومنع الفوضى والخلل وهو الذي قال بعض علمائنا بجوازه وبعضهم

باستحبابه. وإنما يدخل فيه حجاب الأمراء والسلاطين الذين يذودون

الناس عن مجالسهم؛ لأنهم لا يقابلون إلا أشخاص معلومين لهم صفة رسمية عندهم

ويجهلون سائر أصناف رعيتهم بدون عذر. ونقل ابن التين عن الداودي أنه قال:

الذي أحدثه القضاة من شدة الاحتجاب وإدخال بطائق من الخصوم لم يكن من فعل

السلف. ثم قال متعقبا له: إن كان مراده البطائق التي فيها الإخبار بما جرى

فصحيح، وإن كان مراده البطائق التي يكتب فيها للسبق ليبدأ بالنظر في خصومة

من سبق فهو من العدل في الحكم. وقال الشوكاني: لو لم يحتجب الحاكم لدخل

عليه الخصوم وقت طعامه وشرابه وخلوته بأهله وصلاته الواجبة وجميع أوقات ليله

ونهاره. وهذا ظاهر لا نزاع فيه.

***

منع الرشوة:

[8] عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي) ، والرشوة هي السحت في قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ (المائدة: 42) .

[9] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم) وفي هذا زيادة بيان.

[10] عن ثوبان رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم

الراشي والمرتشي والرائش، يعني الذي يمشي بينهما وفي هذا زيادة فائدة، ولا

حاجة لبيان مفسدة الرشوة وتدميرها للممالك وثلها لعروش الأمراء والسلاطين فإن

هذا يكاد يكون معلوما للناس أجمعين.

*** ...

منع الحاكم من الهدية:

[11] عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله وعليه وسلم رجلا

من بني أسد يقال له: ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال:هذا لكم وهذا أهدي إلي

فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر (قال سفيان أيضا) فصعد المنبر فحمد

الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لكم وهذا لي فهلا

جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا. والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا

جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه (ألا هل بلغت) ثلاثا. وتيعر الشاة

بمعنى تصيح.

[12] عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال: (هدايا العمال غلول) وفي رواية: (هدايا الأمراء) . الغلول في الأصل:

خيانة في الغنيمة وهي المال الذي كان يأتي إلى أيدي العمال والأمراء في الأكثر

وورد في الكتاب العزيز التشديد فيه والهدية للحاكم مثله أو منه بحكم السنة. قال

الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف. ولكن له شواهد وطرقا متعددة تقويه. والهدية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٦٣