تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسمى صاحبها مجذوبا أو بهلولا إذا كان سبب الحال هو الإفراط في الرياضة

والمجاهدة النفسية والانقطاع للذكر والعبادة إكراما لمن كان كذلك أن يساوى بسائر

المجانين والاعتقاد بهؤلاء البهاليل قديم العهد عندنا، وسببه أن منهم من كان يظهر

على لسانه بعض الحكم؛ لأن من يذهب عقله لا يعدم كل ما كان أدركه وعلمه،

وإنما يعدم النظام بين الأفكار والمعلومات، ومنهم من ظهر على يديه بعض الغرائب

أو أسنده إليهم بعض المغرورين الذين يضيفون الأشياء الغريبة إلى ما يقارنها من

الحوادث، وإن لم يكن علة لها، كأن يؤذي إنسان آخر فيصاب عقيب ذلك بمصيبة

تقع بوقوع سببها.

وأما القطب وسائر الموظفين الروحانيين في دائرة تصرفه، الذين يسمونهم

رجال الغيب كالإمامين والأوتاد والأبدال، فلم يرد فيه شيء صحيح في السنة إلا ما

رووه في الأبدال وهي روايات ضعيفة مضطربة في بعضها يعدون ثلاثين وبعضها

أربعين إلخ. ومن عجيب تمحلهم في الاستدلال على القطب ما نقله ابن حجر عن

بعض المحدثين من حمله خبر أبي نعيم في الحلية على القطب وهو: (إن لله في

كل بدعة كيد بها الإسلام وأهله وليا صالحا يذب عنه) إلخ.

وأعجب من هذا أن المسلمين في الغالب لا يحفلون بمن يدافع عن البدع بالفعل

ولا يسمونه وليا ولا قطبا بل ربما عادوه، ولكن يسهل عليهم أن يقولوا: إن الذي

يدافع عن البدع رجل خفي من رجال الغيب يدافع في الغيب عن الإسلام فلا يعرف

ولا تعرف مدافعته.

والحاصل أن الشرع لا يطالب أحدا بتصديق ما لم يقم عليه دليل، ولا يكلفه

بالإيمان بهؤلاء الرجال المجهولين، بل يحرم عليه أن يقول ما لا يعلم. وهذا لا يمنع

أن تصطلح طائفة الصوفية على ألقاب تطلقها على أهل الخصوصيات، وليس لهم أن

يفضوا بذلك إلى من لا يعرف تلك الخصوصية لئلا يكلفوه بالقول بغير علم. وللمبحث

ذيول سنفصلها تفصيلا.

***

(س3) محمد أفندي مأمون كرشه بسنديون (غربية) : هل حكم الحاكم

يرفع الخلاف أم لا، ومن هذا الحاكم، فإن كان رافعا فهل يبقى كذلك بعد موته؟ فإنه

إذا لم يبق يلزم أن لا يعمل بحكم قاضي مصر السابق إلا إذا أجازه من يخلفه.

(ج) حكم الحاكم الشرعي الذي رأيتم شروطه في الجزء الماضي يرفع

الخلاف في المسائل الاجتهادية فيجب تنفيذه ولو عزل أو مات. ونعني بالمسائل

الاجتهادية ما لا يخالف الكتاب والسنة والإجماع. قال في الجامع الصغير: (وما

اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه)

وعلله الكمال في الفتح بأن اجتهاد الثاني كاجتهاد الأول، ويرجح هذا باتصال القضاء

به فلا ينقض بما دونه.

***

(س4) ومنه: هل يصح ما يقول الوعاظ وعصابة الزار من أن

الجن مسلطون على الإنسان؟ وهل الزار على هذا منكر يجب النهي عنه شرعا أم

لا؟ وإن أجبتم بالسلب، فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (اتخذوا

الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجن عن صبيانكم) ؟ ومعنى ما ورد في الآثار أن

الجن يجري في جسم الإنسان مجرى الدم في الشرايين؟

(ج) لفظ الجن يطلق على المخلوقات الخفية، ويقال: إن منها ما هو مادي

وما هو روحاني، وأجدر بهذه الأحياء التي يسمونها الميكروبات أن تكون من المادي

وهي سبب الأمراض والأوبئة كالطاعون والهيضة، وعليها يحمل ما ورد من أن

الطاعون من وخز الجن، فهي مسلطة على الإنسان وهو مسلط عليها بالعلم

الصحيح، وإن كان لما يقدر على كثير منها بعد تمكنها في الجسم.

وأما الروحانية فلا سلطة لها على الأجساد وإنما هي منشأ الوساوس والخواطر

القبيحة الضارة فمن العلماء من يقول: إنها القوى المعنوية الباعثة على الشر،

والأكثرون على أنها عالم مستقل من جنس عالم الروح يلابس أفراده النفوس المستعدة

للشر بسوء التربية فيقوي فيها الرغبة فيه. وعليه يحمل حديث الصحيحين وغيرهما

(إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٢٥