للحياة فإذا مر في بعض الأيام على جيفة فحمل إلينا ريحها أو هب شديدا فأثار الغبار
في وجوهنا فلا شك أننا نبادر إلى ذمه والشكوى منه، ولكننا لا نطلب انقطاعه وإنما
نطلب منع الجيف من طريقه وإزالة الغبار برش الأرض بالماء فلا خلاف إذن بين
الناس في وجوب بقاء هذه الحرية.
أما إزالة هذه الجيف فأمثل طرقها تصدي النيابة العمومية لمحاكمة أصحابها،
فيجب عليها أن تحاكم كل من ينتهك حرمات الآداب وينال من أعراض الناس، وإن
لم يطلب ذلك ممن يطعن فيه. إن لم تقم النيابة بهذه الخدمة للأمة فيجب على الناس
أن يحاكموا من يطعن فيهم إلا عثرة الكريم فإنها تقال شرعا وأدبا. والامتناع عن
محاكمتهم توهما أن ذلك يعلي شأنهم أو يخفض شأن من يحاكمهم خطأ كبير؛ فإن
الحدود والعقوبات لم تسن في الشرائع الإلهية ولم توضع في القوانين البشرية إلا
لهؤلاء المعتدين {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا
الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} (الجاثية:21) .
وأما صاحب الحمارة فقد حاكمته النيابة العمومية فحكم عليه بالسجن مدة ثلاثة
أشهر وبالنفقات، ولم يدخل المفتي في الدعوى مطلقا ولا طلب حقا مدنيا. وكان في
الجرائد التي حملت على صاحب الحمارة جريدة طلبت من المفتي العفو عنه، ولو كان
هو الذي طلب ذلك تائبا لأجيب طلبه قطعا فإن الأستاذ سليم القلب واسع الحلم لا
يحب أن ينتقم لنفسه، على أن ما كتبته الحمارة كان أكبر خدمة له؛ لأنه أظهر له
مكانة عالية في نفوس خواص الأمة وعوامها لا يدانيه فيها أحد مع العلم القطعي
لكل أحد بأنه بريء من سبب نهاق الحمارة براءة عائشة من إفك المنافقين،
وصاحب الحمارة نفسه يعتقد ذلك أيضا، لأن هذيانه لم يكن مبنيا إلا على الاستنباط
من صورة اخترعها بعض المفسدين.
أما العبرة التي نقصدها من إيراد هذه المسألة فهي إزالة شبهة علقت في أفهام
أكثر الناس فكانت أضر اعتقاد تقلدوه، وهي أن من يشتغل بالعلوم الحقيقية ويتخلق
بالأخلاق الفاضلة والسجايا الكاملة كالصدق والمروءة وعلو الهمة وبذل المعروف
والسعي في خير الناس ومنفعتهم لا ينجح في عمله ولا يعرف له أحد فضله
ويستدلون بأمثال يضربونها قد اشتبه عليهم حقها بباطلها، وهذا المثل الحق الذي
يدحضها وهو أن الشيخ محمد عبده سلك هذه الطريقة فحل من نفوس الأمة محلا
عليا ونال فيها اسما سميا ما زاحمه فيه عالم ولا أمير، ولا شاركه فيه غني ولا
وزير، والعاقبة كما قال الله تعالى للمتقين.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>