تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفعيينا بالخلق الأول..

[ق: 15]. ثم يقول سبحانه: ﴿ ومن يرزقكم من السمآء والأرض.. ﴾ [النمل: 64]. الرزق: كل ما ينتفع به، وهو إما من السماء وإما من الأرض، وإما من التقائهما حين ينزل الماء من السماء، ويختلط بتربة الأرض فيخرج النبات. ﴿ أإله مع الله.. ﴾ [النمل: 64] يكرر نفس الاستفهام السابق لتأكيد أنه لا إله إلا الله يأتيكم بهذه النعم. ﴿ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ [النمل: 64] أي: هاتوا الدليل على وجود إله آخر يقول: أنا الذي بدأت الخلق، وأنا الذي أرزق من السماء والأرض، فإذا لم يأت من يقول هذا فقد ثبتت الدعوة لصاحبها حيث لم يقم معارض - ودعك من مسألة الإعادة هذه، يكفي أن يدعي الخلق لأن القادر على الخلق قادر على الإعادة، فلا يستحيل على الذي خلق من عدم أن يعيد من موجود. لكن، ما مناسبة الكلام عن الرزق من السماء والأرض بعد مسألة الإعادة؟ لا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، فللرزق الذي يأتي عن طريق التقاء ماء السماء بتربة الأرض وهو النبات دورة مثل دورة الإنسان وإعادة كإعادته، حيث يتغذى الإنسان على نبات الأرض، ويأخذ منه حاجته من الطاقة والغذاء، وما تبقى منه يخرج على صورة فضلات تتحلل في الأرض، حتى ما تبقى منها في جسم الإنسان يتحلل بعد موته إلى عناصر الأرض. فالوردة مثلا بعد نضارتها وطراوتها وجمالها حيث تقطف تجف ويتبخر ماؤها، وكذلك اللون والرائحة في الأثير الجوي، وما تبقى منها من مادة جافة تتحلل في التربة، فإذا ما زرعنا وردة أخرى، فإنها تتغذى على ما في التربة من عناصر، وما في الأثير الجوي من لون ورائحة.

إذن: فعناصر التكوين في الكون لم تزد ولم تنقص منذ خلق الله الخلق، ولدورة النبات في الطبيعة بدء ونهاية وإعادة أشبه ما تكون بخلق الإنسان، ثم موته، ثم إعادته يوم القيامة. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا الدليل على الإعادة بما نراه من دورة النبات، دليلا بما نراه على الغيب الذي لا نراه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل لا يعلم من في السماوات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٢١٧