وفي مرتبة أخرى يقول سبحانه:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. فالحق - تبارك وتعالى - يجعل لنا مراتب في رد السيئة، فالعقاب بالمثل مرتبة، وكظم الغيظ مرتبه، والعفو مرتبة، والصفح مرتبة، وأعلى ذلك كله مرتبة الإحسان إلى من أساء إليك
والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. ثم يجعل الحق سبحانه من نفسه أسوة لعباده فيقول: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. ﴾ [النور: 22] فكما تحب أن يغفر الله لك ذنبك، فلماذا لا تغفر أنت لمن أساء إليك؟ وكأن ربنا - عز وجل - يريد أن يصلح ما بيننا لذلك لما نزلت هذه الآية في شأن أبي بكر قال: أحب يا رب، أحب يا رب، أحب يا رب. ومعنى ﴿ ألا.. ﴾ [النور: 22] أداة للحض وللحث على هذا الخلق الطيب ﴿ والله غفور رحيم ﴾ [النور: 22] فمن تخلق بأخلاق الله تعالى فليكن له غفران، وليكن لديه رحمة، ومن منا لا يريد أن يتصف ببعض صفات الله، فيتصف بأنه غفور ورحيم؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات... ﴾.
24.23
نلحظ أن الآيات تحدثت عن حد القذف وما كان من حادثة الإفك، ثم ذكرت آية العتاب لأبي بكر في مسألة الرزق، ثم عاد السياق إلى القضية الأساسية: قضية القذف، فلماذا دخلت مسألة الرزق في هذا الموضوع؟ قالوا: لأن كل معركة فيها خصومة قد يكون لها آثار تتعلق بالرزق، والرزق تكفل الله به لعباده لأنه سبحانه هو الذي استدعاهم إلى الوجود، سواء المؤمن أو الكافر، وحين تعطي المحتاج فإنما أنت مناول عن الله، ويد الله الممدودة بأسباب الله. والحق تبارك وتعالى يحترم ملكية الإنسان مع أنه سبحانه رازقه ومعطيه، لكن طالما أعطاه صار العطاء ملكا له، فإن حثه على النفقة بعد ذلك يأخذها منه قرضا لذلك يقول سبحانه:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..
[البقرة: 245]. فإن أنفق الموسر على المعسر جعله الله قرضا، وتولى سداده بنفسه ذلك لأن الله تعالى لا يرجع في هبته، فطالما أعطاك الرزق، فلا يأخذه منك إلا قرضا. لذلك يقول تعالى:
ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه..
[محمد: 38]. وفي موضع آخر يقول عن الأموال:
إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم
[محمد: 38] لأن الإنسان تعب في جمع المال وعرق في سبيله، وأصبح عزيزا عليه لذلك يبخل به، فأخذه الله منه قرضا مردودا بزيادة، وكان الرزق والمال بهذه الأهمية لأنه أول مناط لعمارة الخليفة في الأرض لذلك ترك الحديث عن القضية الأساسية هنا، وذكر هذه الآية التي تتعلق بالرزق. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى..
[البقرة: 238] وقد ذكرت وسط مسائل تتعلق بالعدة والكفارة، وعدة المتوفى عنها زوجها، فما علاقة الصلاة بهذه المسائل؟ قالوا: لأن النزاعات التي تحدث غالبا ما تغير النفس البشرية وتثير حفيظتها، فإذا ما قمت للوضوء والصلاة تهدأ نفسك وتطمئن. وتستقبل مسائل الخلاف هذه بشيء من القبول والرضا. نعود إلى قوله تعالى: ﴿ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات.. ﴾ [النور: 23] المحصنة: لها إطلاقات ثلاث، فهي المتزوجة لأن الإحصان: الحفظ وكأنها حفظت نفسها بالزواج، أو هي العفيفة، وإن لم تتزوج فهي محصنة في ذاتها، والمحصنة هي أيضا الحرة لأن عملية البغاء والزنا كانت خاصة بالإماء. و ﴿ الغافلات.. ﴾ [النور: 23] جمع غافلة، وهي التي لا تدري بمثل هذه المسائل، وليس في بالها شيء عن هذه العملية، ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل بريرة خادمة السيدة عائشة: ما تقولين في عائشة يا بريرة؟ فقالت: تعجن العجين ثم تنام بجانبه فتأتي الدواجن فتأكله وهي لا تدري "
وهذا كناية عن الغفلة لأنها ما زالت صغيرة لم تنضج نضج المراهقة ومع نضج المراهقة نضج اليقين والإيمان.