تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.39

الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يلفت أنظار من شغلتهم الدنيا بحركتها ونشاطها عن المراد بالآخرة، فيصنعون صنائع معروف كثيرة، لكن لم يخلصوا فيها النية لله، والأصل في عمل الخير أن يكون من الله ولله، وسوف يواجه هؤلاء بهذه الحقيقة فيقال لأحدهم كما جاء في الحديث:

" عملت ليقال وقد قيل ".

لقد مدحوك وأثنوا عليك، وأقاموا لك التماثيل وخلدوا ذكراك لذلك رسم لهم القرآن هذه الصورة: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا.. ﴾ [النور: 39]. ﴿ أعمالهم.. ﴾ [النور: 39] أي: التي يظنونها خيرا، وينتظرون ثوابها، والسراب: ما يظهر في الصحراء وقت الظهيرة كأنه ماء وليس كذلك. وهذه الظاهرة نتيجة انكسار الضوء، و " قيعة ": جمع قاع وهي الأرض المستوية مثل جار وجيرة. وأسند الفعل ﴿ يحسبه.. ﴾ [النور: 39] إلى الظمآن لأنه في حاجة للماء، وربما لو لم يكن ضمآنا لما التفت إلى هذه الظاهرة، فلظمئه يجري خلف الماء، لكنه لا يجد شيئا، وليت الأمر ينتهي عند خيبة المسعى إنما ﴿ ووجد الله عنده فوفاه حسابه.. ﴾ [النور: 39] فوجىء بإله لم يكن على باله حينما فعل الخير، إله لم يؤمن به، والآن فقط يتنبه، ويصحو من غفلته، ويفاجأ بضياع عمله. إذن: تجتمع عليه مصيبتان: مصيبة الظمأ الذي لم يجد له ريا، ومصيبة العذاب الذي ينتظره، كما قال الشاعر:

كما أبرقت قوما عطاشا غمامة

فلما رأوها أقشعت وتجلت

وسبق أن ضربنا مثلا لهذه المسألة بالسجين الذي بلغ منه العطش مبلغا، فطلب الماء، فأتاه الحارس به حتى إذا جعله عند فيه واستشرف المسكين للارتواء أراق الحارس الكوب، ويسمون ذلك: يأس بعد إطماع. لذلك الحق تبارك وتعالى يعطينا في الكون أمثلة تزهد الناس في العمل للناس من أجل الناس، فالعمل للناس لا بد أن يكون من أجل الله. وفي الواقع تصادف من ينكر الجميل ويتنكر لك بعد أن أحسنت إليه، وما ذلك إلا لأنك عملت من أجله، فوجدت الجزاء العادل لتتأدب بعدها ولا تعمل من أجل الناس، ولو فعلت ما فعلت من أجل الله لوجدت الجزاء والثواب من الله قبل أن تنتهي من مباشرة هذا الفعل. وفي موضع آخر يشبه الحق سبحانه الذي ينفق ماله رياء الناس بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالماء، فلا ينبت شيئا:

كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين

[البقرة: 264]. وقوله تعالى: ﴿ والله سريع الحساب ﴾ [النور: 39] فإياك أن تستبعد الموت أو البعث، فالزمن بعد الموت وإلى أن تقوم الساعة زمن لا يحسب لأنه يمر عليك دون أن تشعر به ، كما قال سبحانه:

كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها

[النازعات: 46]. والله تعالى أخفى الموت أسبابا وميعادا لأن الإبهام قد يكون غاية البيان، وبإبهام الموت تظل ذاكرا له عاملا للآخرة لأنك تتوقعه في أي لحظة، فهو دائما على بالك، ومن يدريك لعلك إن خفضت طرفك لا ترفعه، وعلى هذا فالحساب قريب وسريع لذلك قالوا: من مات فقد قامت قيامته. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٦٨