تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.2

قلنا: إن الحق سبحانه تناول هذه المسألة حرصا على سلامة النشء، وطهارة هذا الإنسان الذي جعله الله خليفة له في الأرض، وحين نتأمل السياق القرآني في هذه الآية نجد أن كلمة الزاني تدل على كل من الأنثى والذكر، ففي اللغة الاسم الموصول: الذي للمفرد المذكر، والتي للمفردة المؤنثة، واللذان للمثنى المذكر، واللتان للمثنى المؤنث، والذين لجمع الذكور، واللائي لجمع الإناث. لكن هناك أسماء تدل على كل هذه الصيغ مثل: من، ما، ال. تقول: جاء من أكرمني، وجاءت من أكرمتني، وجاء من أكرموني. فكذلك ال في الزاني تدل على المؤنث وعلى المذكر، لكن الحق سبحانه ذكرهما صراحة ليزيل ما قد يحدث عند البعض من خلاف: أيهما السبب في هذه الجريمة، هذا الخلاف الذي وقع فيه حتى الأئمة والفقهاء، فهناك من يقول: الزاني واطئ وفاعل، والمرأة موطوءة، فالفعل للرجل لا للمرأة، فهو وحده الذي يتحمل هذه التبعة. لذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه يحكي

" أن رجلا ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله وطئت امرأتي في رمضان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " كفر ".

وأخذ الشافعي من هذا الحديث أن الكفارة إنما تكون على الرجل دون المرأة، وإلا لقال له الرسول: كفرا. لكن يجب أن نفرق بين وطئ وجامع: الوطء فعل الرجل حتى وإن كانت الزوجة كارهة رافضة، أما الجماع فهو حال الرضا والقبول من الطرفين، وفي هذه الحالة تكون الكفارة عليهما معا لذلك صرح الحق تبارك وتعالى بالزاني والزانية ليزيل هذه الشبهة وهذا الخلاف. وأرى في هذه المسألة أن الذي استفتى رسول الله هو الرجل، ولو كانت المرأة لقال لها أيضا: كفري، فالحكم خاص بمن استفتى. والمتأمل في آيات الحدود يجد مثلا في حد السرقة قوله تعالى

والسارق والسارقة..

[المائدة: 38] فبدأ بالمذكر، أما في حد الزنا فقال: ﴿ الزانية والزاني.. ﴾ [النور: 2] فبدأ بالمؤنث، لماذا الاختلاف في التعبير القرآني؟ قالوا: لأن دور المرأة في مسألة الزنا أعظم ومدخلها أوسع، فهي التي تغري الرجل وتثيره وتهيج عواطفه لذلك أمر الحق - تبارك وتعالى - الرجال بغض البصر وأمر النساء بعدم إبداء الزينة، ذلك ليسد نوافذ هذه الجريمة ويمنع أسبابها. أما في حالة السرقة فعادة يكون عبء النفقة ومؤنة الحياة على كاهل الرجل، فهو المكلف بها لذلك يسرق الرجل، أما المرأة فالعادة أنها في البيت تستقبل، وليس من مهمتها توفير تكاليف الحياة، لكن لا مانع مع ذلك أن تسرق المرأة أيضا لذلك بدأ في السرقة بالرجل. إذن: بمقارنة آيات القرآن تجد الكلام موزونا دقيقا غاية الدقة، لكل كلمة ولكل حرف عطاؤه، فهو كلام رب حكيم، ولو كانت المسألة مجرد تقنين عادي ما التفت إلى مثل هذه المسائل.

ثم يأتي الحد الرادع لهذه الجريمة ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة.. ﴾ [النور: 2] اجلدوا: أمر، لكن لمن؟ لم يقل أيها الحاكم أو القاضي لأن الأمر هنا للأمة كلها، فأمر إقامة الحدود منوط بالأمة كلها، لكن أتنهض الأمة بأسرها وتعددها بفعل واحد في كل مكان؟ قالوا: الأمة مثل النائب العام للوالي، عليه أن يختار من يراه أهلا للولاية لينفذ له ما يريد، ومن ولى قاضيا فقد قضى، وما دام الأمر كذلك فإياك أن تولي القضاء من لا يصلح للقضاء لأن التبعة - إذن - ستكون عليك إن ظلم أو جار، فالواو والألف في ﴿ فاجلدوا.. ﴾ [النور: 2] تدل على معان كبيرة، فالأمة في مجموعها لا تستطيع أن تجلد كل زان أو زانية، لكن حين تولي إمامها بالبيعة، وحين تختاره ليقيم حدود الله، فكأنها هي التي أقامت الحدود وهي التي نفذت. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" من ولى أحدا أمرا وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة ".

لماذا؟ لأنك حين تولي أمور الناس من لا يصلح لها في وجود من يصلح إنما تشيع الفساد في المجتمع، ولا تظن أنك تستطيع أن تخفي شيئا عن أعين الناس، فلهم من الوعي والانتباه ما يفرقون به بين الكفء وغيره، وإن سكتوا وتغافلوا فإنهم يتساءلون من ورائك: لماذا ولى هذا، وترك من هو أكفأ منه، لا بد أن له مؤهلات أخرى، دخل بها من الباب الخلفي، ولماذا لا نفعل مثله؟ عندها تسود الفوضى وتضيع الحقوق وينتشر الإحباط والتكاسل والخمول، ويحدث خلل في المجتمع وتتعطل المصالح. ومع هذا كله لا نستطيع أن نلوم الوالي حين يختار من لا يصلح قبل أن نلوم أنفسنا أولا، فنحن الذين اخترناه ودلسنا في البيعة له، فسلطه الله علينا ليدلس هو أيضا في اختياره، أما لو أدى كل منا واجبه في اختيار من يصلح ما وصل إلى مراتب القيادة من يدلس على الناس، وبذلك تستقيم الأمور، ويتقرب الإنسان للولاية بالعمل وبالجد والإخلاص والأمانة والصدق والتفاني في خدمة المجتمع. ومن رحمة الله تعالى بالخلق أن يقذف الإخلاص وحب العمل ويزرع الرحمة بالخلق في بعض القلوب لذلك ترى في كل مصلحة أو في كل مكتب موظفا متواضعا يحب الناس ويحرص على قضاء مصالحهم، تراه يرتدي نظارة سميكة يرى من خلالها بصعوبة، وهو دائما منكب على الأوراق والملفات، ويقصده الخلق لقضاء مصالحهم: يا فلان أفندي، أعطني كذا، واكتب لي كذا، وقد وسع الله صدره للناس فلا يرد أحدا. هذه المسائل كلها نفهمها من الواو والألف في ﴿ فاجلدوا.. ﴾ [النور: 2] أما الجلد فهو الضرب، نقول: جلده: يعني ضرب جلده، ورأسه: يعني ضرب رأسه، وظهره: ضرب ظهره.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٣٠