تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.30

تحدثت سورة النور من أولها عن مسألة الزنا والقذف والإحصان، وحذرت من اتباع خطوات الشيطان التي تؤدي إلى هذه الجريمة، وتحدثت عن التكافؤ في الزواج، وأن الزاني للزانية، والزانية للزاني، والخبيثون للخبيثات والطيبون للطيبات. وهذا منهج متكامل يضمن سلامة المجتمع والخليفة لله في أرضه، فالله تعالى يريد مجتمعا تضيء فيه القيم السامية، مجتمعا يخلو من وسائل العكننة والمخالفة والشحناء والبغضاء، فلو أننا طبقنا منهج الله الذي ارتضاه لنا لارتاح الجميع في ظله. ومسألة غض البصر التي يأمرنا بها ربنا - عز وجل - في هذه الآية هي صمام الأمان الذي يحمينا من الانزلاق في هذه الجرائم البشعة، ويسد الطريق دونها لذلك قال تعالى: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. ﴾ [النور: 30]. وقلنا: إن للإنسان وسائل إدراكات متعددة، وكل جهاز إدراك له مناط: فالأذن تسمع الصوت، والأنف يشم الرائحة، واللسان للكلام، ولذوق المطعومات، والعين لرؤية المرئيات، لكن أفتن شيء يصيب الإنسان من ناحية الجنس هي حاسة البصر لذلك وضع الشارع الحكيم المناعة اللازمة في طرفي الرؤية في العين الباصرة وفي الشيء المبصر، فأمر المؤمنين بغض أبصارهم، وأمر المؤمنات بعدم إبداء الزينة، وهكذا جعل المناعة في كلا الطرفين. وحين تتأمل مسألة غض البصر تجدها من حيث القسمة العقلية تدور حول أربع حالات: الأولى: أن يغض هو بصره ولا تبدي هي زينتها، فخط الفتنة مقطوع من المرسل ومن المستقبل، الثانية: أن يغض هو بصره وأن تبدي هي زينتها، الثالثة: أن ينظر هو ولا تبدي هي زينتها. وليس هناك خطر على المجتمع أو فتنة في هذه الحالات الثلاث فإذا توفر جانب انعدام الآخر. إنما الخطر في القسمة الرابعة: وهي أن ينظر هو ولا يغض بصره، وأن تتزين هي وتبدي زينتها، ففي هذه الحالة فقط يكون الخطر. إذن: فالحق - تبارك وتعالى - حرم حالة واحدة من أربع حالات ذلك لأن المحرمات هي الأقل دائما، وهذا من رحمة الله بنا، بدليل قوله تعالى:

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..

[الأنعام: 151] فالمحرمات هي المحصورة المعدودة، أما المحللات فهي فوق الحصر والعد، فالأصل في الأشياء أنها حلال، وإذا أراد الحق سبحانه تحريم شيء نص عليه، فانظر إلى هذه المعاملة الطيبة من ربك عز وجل. وكما أمر الرجل بغض بصره، كذلك أمرت المرأة بغض بصرها، لأن اللفتة قد تكون أيضا للرجل ذي الوسامة و.. و فإن كان حظ المرأة في رجل تتقحمه العين، فلربما نظرت إلى غيره، فكما يقال في الرجال يقال في النساء. هذا الاحتياط وهذه الحدود التي وضعها الله عز وجل وألزمنا بها إنما هي لمنع هذه الجريمة البشعة التي بدئت بها هذه السورة لأن النظر أول وسائل الزنا، وهو البريد لما بعده، ألا ترى شوقي رحمه الله حين تكلم عن مراحل الغزل يقول:

نظرة فابتسامة فسلام

فكلام فموعد فلقاء

فالأمر بغض البصر ليسد منافذ فساد الأعراض، ومنع أسباب تلوث النسل ليأتي الخليفة لله في الأرض طاهرا في مجتمع طاهر نظيف شريف لا يتعالى فيه أحد على أحد، بأن له نسبا وشرفا، والآخر لا نسب له. ذلك ليطمئن كل إنسان على أن من يليه في الخلافة من أبناء أو أو أحفاد إنما جاءوا من طريق شرعي شريف، فيجتهد كل إنسان في أن ينشىء أطفاله تنشئة فيها شفقة، فيها حنان ورحمة لأنه واثق أنه ولده، ليس مدسوسا عليه، وأغلب الظن أن الذين يهملون أطفالهم ولا يراعون مصالحهم يشكون في نسبهم إليهم. ولا يصل المجتمع إلى هذا الطهر إلا إذا ضمنت له الصيانة الكافية، لئلا تشرد منه غرائز الجنس، فيعتدي كل نظر على ما لا يحل له لأن النظر بريد إلى القلوب، والقلوب بريد إلى الجنس، فلا يعف الفرج إلا بعفاف النظر. ونلحظ في قوله تعالى: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. ﴾ [النور: 30] دقة بلاغ الرسول عن ربه - عز وجل - وأمانته في نقل العبارة كما أنزلت عليه، ففي هذه الآية كان يكفي أن يقول رسول الله: غضوا أبصاركم، لكنه التزم بنص ما أنزل عليه لأن القرآن لم ينزل للأحكام فقط، وإنما القرآن هو كلام الله المنزل على رسوله والذي يتعبد بتلاوته، فلا بد أن يبلغه الرسول كما جاءه من ربه. لذلك قال في البلاغ عن الله قل وفي الفعل يغضوا دلالة على ملحظية قل، فالفعل يغضوا مضارع لم تسبقه أداة جزم، ومع ذلك حذفت منه النون، ذلك لأنه جعل قل ملحظية في الأسلوب. والمعنى: إن تقل لهم غضوا أبصاركم يغضوا، فالفعل - إذن - مجزوم في جواب الأمر قل. إذن ﴿ قل.. ﴾ [النور: 30] تدل على أمانة الرسول في البلاغ، وعلى أن القرآن ما نزل للأحكام فحسب، إنما هو أيضا كلام الله المعجز لذلك نحافظ عليه وعلى كل لفظة فيه، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أتيت لكم بشيء من عندي، ومهمتي أن أبلغكم ما قاله الله لي. وقوله: ﴿ للمؤمنين.. ﴾ [النور: 30] فما داموا مؤمنين بإله حكيم، وقد دخلوا حظيرة الإيمان باختيارهم لم يرغمهم عليه أحد، فلا بد أن يلتزموا بما أمرهم ربهم به وينفذوه بمجرد سماعه. والغض: النقصان، يقال: فلان يغض من قدر فلان يعني: ينقصه، فكيف يكون النقصان في البصر؟ أينظر بعين واحدة؟ قالوا: البصر له مهمة، وبه تتجلى المرائي، والعين مجالها حر ترى كل ما أمامها سواء أكان حلالا لها أو محرما عليها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٥٤