تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.33

في حالة إذا لم ننكح الأيامى، ولم نعنهم على الزواج، ولم يقدروا هم على القيام بنفقاته يصف لهم الحق - سبحانه وتعالى - العلاج المناسب، وهو الاستعفاف، وقد طلب الله تعالى من المجتمع الإسلامي سواء - تمثل في أولياء الأمور أو في المجتمع العام - أن ينهض بمسألة الأيامى، وأن يعينهم على الزواج، فإن لم يقم المجتمع بدوره، ولم يكن لهؤلاء الأيامى قدرة ذاتية على الزواج، فليستعفف كل منهم حتى يغنيهم الله، مما يدل على أن التشريع يبني أحكامه، ويراعي كل الأحوال، سواء أطاعوا جميعا أو عصوا جميعا. وقوله تعالى: ﴿ وليستعفف.. ﴾ [النور: 33] يعني: يحاول العفاف ويطلبه ويبحث عن أسبابه، يجاهد أن يكون عفيفا، وأول أسباب العفاف أن يغض بصره حين يرى، فلا يوجد له مهيج ومثير، فإن وجد في نفسه فتوة وقوة فعلية أن يلجمها ويضعفها بالوسائل الشرعية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة - يعني: نفقات الحياة الزوجية - فليتزوج، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء ".

والصوم يعمل على انكسار هذه الشهوة ويهدىء من شراسة الغريزة ذلك لأنه يأكل فقط ما يقيم أوده، ولا يبقى في بدنه ما يثير الشهوة، كما جاء في الحديث الشريف:

" بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه... ".

أو: أن يفرغ الشاب نفسه للعمل النافع المفيد الذي يشغله ويستنفد جهده وطاقته، التي إن لم تصرف في الخير صرفت في الشر، وبالعمل يثبت الشاب ذاته، ويثق بنفسه، ويكتسب الحلال الذي يشجعه مع الأيام على الزواج وتحمل مسئولياته. لذلك قال تعالى: ﴿ وليستعفف.. ﴾ [النور: 33] ولم يقل: وليعف، فالمعنى ليسلك سبيل الإعفاف لنفسه وليسع إليه، بأن يمنع المهيج بالنظر ويهدئ شراسة الغريزة بالصوم، أو بالعمل فيشغل وقته ويعود آخر النهار متعبا يريد أن ينام ليقوم في الصباح لعمله نشيطا، وهكذا لا يجد فرصة لشيء مما يغضب الله. ومعنى: ﴿ الذين لا يجدون نكاحا.. ﴾ [النور: 33] أي: بذواتهم قدرة أو بمجتمعهم معونة. وقوله تعالى: ﴿ حتى يغنيهم الله من فضله.. ﴾ [النور: 33] يدل على أن الاستعفاف وسيلة من وسائل الغنى لأن الاستعفاف إنما نشأ من إرادة التقوى، وقد قال تعالى في قضية قرآنية:

ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب

[الطلاق: 2-3] فمن هذا الباب يأتيه غنى الله. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.. ﴾ [النور: 33]. الكتاب: معروف أنه اجتماع عدة أشياء مكتوبة في ورق، والمراد هنا المكاتبة، وهي أن تكتب عقدا بينك وبين العبد المملوك، تشترط فيه أن يعمل لك كذا وكذا بعدها يكون حرا، إن أدى ما ذكر في عقد المكاتبة.

﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا.. ﴾ [النور: 33] يعني: إن كانت حريتهم ستؤدي إلى خير كأن ترفع عنهم ذلة العبودية، وتجعلهم ينشطون في الحياة نشاطا يناسب مواهبهم. لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - هذه المكاتبة مصرفا من مصارف الزكاة، فقال تعالى:

وفي الرقاب..

[البقرة: 177] يعني: المماليك الذين نريد أن نفك رقابهم من أسر العبودية وذلها بالعتق، وإن كان مال الزكاة يدفع للفقراء وللمساكين.. إلخ ففي الرقاب يدفع المال للسيد ليعتق عبده. كما جعل الإسلام عتق الرقاب كفارة لبعض الذنوب بين العبد وبين ربه ذلك لأن الله تعالى يريد أن ينهي هذه المسألة. ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.. ﴾ [النور: 33]. الحق - تبارك وتعالى - هو الرازق، والمال في الحقيقة مال الله، لكن إن ملكك وطلب منك أن تعطي أخاك الفقير يحترم ملكيتك، ولا يعود سبحانه في هبته لك لذلك يأخذ منك الصدقة على أنها قرض لا يرده الفقير، إنما يتولى ربك عز وجل رده، فيقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٥٩