" في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا رأى بعض الصحابة أن غيره خير منه، فسألوا رسول الله: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والمشورة؟ فقال: " بل هو الرأي والمشورة " فأخبروه أنه غير مناسب، وأن المكان المناسب كذا وكذا ".
وقوله تعالى: ﴿ أن تصيبهم فتنة.. ﴾ [النور: 63] أي: في الدنيا ﴿ أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ [النور: 63] أي: في الآخرة، فإن أفلتوا من فتنة الدنيا فلن يفلتوا من عذاب الآخرة. ثم تختم السورة بقوله تعالى: ﴿ ألا إن لله ما في السماوات والأرض... ﴾.
24.64
ألا: أداة تنبيه لشيء مهم بعدها، والتنبيه يأتي لأن الكلام سفارة بين المتكلم والمخاطب، المتكلم عادة يعد كلامه، ولديه أنس بما سيقول، لكن المخاطب قد لا يكون خالي الذهن فيفاجئه القول، وربما شغله ذلك عن الكلام، فيضيع منه بعضه. والحق - تبارك وتعالى - يريد ألا يضيع منك حرف واحد من كلامه، فينبهك بكلمة هي في الواقع لا معنى لها في ذاتها، إلا أنها تنبهك وتذهب ما عندك من دهشة أو غفلة، فتعي ما يقال لك، وهذا أسلوب عربي عرفته العرب، وتحدثت به قبل نزول القرآن. ويقول الشاعر الجاهلي يخاطب المرأة التي تناوله الكأس:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ولا تبقي خمور الأندرينا
يريد أن ينبهها إلى الكلام المفيد الذي يأتي بعد. وبعد ألا التنبيهية يقول سبحانه: ﴿ إن لله ما في السماوات والأرض.. ﴾ [النور: 64]. والسماوات والأرض ظرف فيهما كل شيء في الكون العلوي والسفلي، فلله ما في السماوات وما في الأرض أي: المظروف فيهما، فما بال الظرف نفسه؟ قالوا: هو أيضا لله، كما جاء في آية أخرى:
لله ملك السماوات والأرض..
[النور: 42] إذن: فالظرف والمظروف ملك له سبحانه. وعادة ما يكون الظرف أقل قيمة من المظروف فيه، فما بداخل الخزينة مثلا أثمن منها، وما بداخل الكيس أثمن منه، وكذلك عظمة السماوات والأرض بما فيهما من مخلوقات. لذلك إياك أن تجعل المصحف الشريف ظرفا لشيء مهم عندك فتحفظه في المصحف لأنه لا شيء أغلى ولا أثمن من كتاب الله، فلا يليق أن تجعله حافظة لنقودك، أو لأوراقك المهمة لأن المحفوظ عادة أثمن من المحفوظ فيه. وفي الآية: ﴿ ألا إن لله ما في السماوات والأرض.. ﴾ [النور: 64] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، فكل ما في السماوات، وكل ما في الأرض ملك لله وحده، لا يشاركه فيه أحد، وعلى كثرة المفترين في الألوهية والفرعونية لم يدع أحد منهم أن له ملك شيء منها. حتى إن النمرود الذي جادل أبانا إبراهيم عليه السلام وقال: أنا أحي وأميت لما قال له إبراهيم:
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب..
[البقرة: 258] لم يستطع فعل شيء وبهت وانتهت المسألة. وملكه تعالى لم يقتصر على الخلق، فخلق الأشياء ثم تركها تؤدي مهمتها وحدها، إنما خلقها وله تعالى قيومية على ما خلق، وتصرف في كل شيء، فلا تظن الكون من حولك يخدمك آليا، إنما هو خاضع لإرادة الله وتصرفه سبحانه. فالماء الذي ينساب لك من الأمطار والأنهار قد يمنع عنك ويصيب أرضك الجفاف، أو يزيد عن حده، فيصبح سيولا تغرق وتدمر، إذن: المسألة ليست رتابة خلق، وليست المخلوقات آلات ميكانيكية، إنما لله الملك والقيومية والتصرف في كل ما خلق.
ثم يقول سبحانه: ﴿ قد يعلم مآ أنتم عليه.. ﴾ [النور: 64] لفهم هذه الآية لا بد أن نعلم أن علاقة الحق - تبارك وتعالى - بالأحداث ليست كعلاقتنا نحن، فنحن نعلم من علم النحو أن الأفعال ماض، وهو ما وقع بالفعل قبل أن تتكلم به مثل: جاء محمد، ومضارع وهو إما للحال مثل: يأكل محمد. أو للاستقبال مثل: سيأكل محمد. أما بالنسبة لله تعالى، فالأحداث سواء كلها ماض وواقع، وقد تكلمنا في هذه المسألة في قوله تعالى:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه..