24.20
انظر كم فضل من الله تعالى تفضل به على عباده في هذه الحادثة، ففي كل مرحلة من مراحل هذه القضية يقول سبحانه: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته.. ﴾ [النور: 20] وهذا دليل على أن ما حدث كان للمؤمنين نعمة وخير، وإن ظنوه غير ذلك. لكن أين جواب لولا؟ الجواب يفهم من السياق وتقديره: لفضحتم ولهلكتم، وحصل لكم كذا وكذا، ولك أن تقدره كما تشاء. وما منع عنكم هذا كله إلا فضل الله ورحمته. وفي موضع آخر يوضح الحق سبحانه منزلة هذا الفضل:
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
[يونس: 58]. فالحق - سبحانه وتعالى - شرع منهجا ويحب من يعمل به، لكن فرحة العبد لا تتم بمجرد العمل، وإنما بفضل الله ورحمته في تقبل هذا العمل. إذن: ففضل الله هو القاسم المشترك في كل تقصير من الخلق في منهج الخالق عز وجل. وبعد هذه الحادثة كان لا بد أن يقول تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان... ﴾.
24.21
كأن الشيطان له خطوات متعددة ليست خطوة واحدة، وقد أثبت الله عداوته لبني آدم، وهي عداوة مسببة ليست كلاما نظريا، إنما هو عدو بواقعة ثابتة، حيث امتنع عن السجود لآدم، وعصى أمر الله له، بل وأبدى ما في نفسه وقال:
أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
[الأعراف: 12]. وقال:
أأسجد لمن خلقت طينا
[الإسراء: 61] وهكذا علل امتناعه بأنه خير، وكأن عداوته لآدم عداوة حسد لمركزه ومكانته عند ربه. والحق - تبارك وتعالى - حينما يخبرنا بعداوة الشيطان من خلال امتناعه عن السجود، إنما يحذرنا منه، وينبهنا إلى خطره ويربي فينا المناعة من الشيطان لأن عداوته لنا عداوة مركزة، ليست عداوة يمارسها هكذا كيفما اتفق، إنما هي عداوة لها منهج ولها خطة. فأول هذه الخطة أنه عرف كيف يقسم، فدخل على الإنسان من باب عزة الله عن خلقه، فقال:
فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]. فلو أرادنا ربنا - عز وجل - مؤمنين ما كان للشيطان علينا سبيل، إنما تركنا سبحانه للاختيار، فدخل علينا الشيطان من هذا الباب لذلك قال بعدها:
إلا عبادك منهم المخلصين
[الحجر: 40] فمن اتصف بهذه الصفة فليس للشيطان إليه سبيل. إذن: مسألة العداوة هذه ليست بين الحق سبحانه وبين الشيطان، إنما بين الشيطان وبني آدم. فقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا.. ﴾ [النور: 21] نداء: يا من آمنتم بإله كأنه يقول: تنبهوا إلى شرف إيمانكم به، وابتعدوا عما يضعف هذا الإيمان، أو يفت في عضد المؤمنين بأي وسيلة، وتأكدوا أن الشيطان له خطوات متعددة. ﴿ لا تتبعوا خطوات الشيطان.. ﴾ [النور: 21] فإن وسوس لك من جهة، فتأبيت عليه ووجد عندك صلابة في هذه الناحية وجهك إلى ناحية أخرى، وزين لك من باب آخر، وهكذا يظل بك عدوك إلى أن يوقعك، فهو يعلم أن لكل إنسان نقطة ضعف في تكوينه، فيظل يحاوره إلى أن يصل إلى هذه النقطة. والشيطان: هو المتمرد العاصي من الجن، فالجن مقابل الإنس، فمنهم الطائع والعاصي، والعاصي منهم هو الشيطان، وعلى قمتهم إبليس لذلك يقول تعالى في سورة الكهف:
إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه..
[الكهف: 50]. وسبق أن ذكرنا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية من قبل النفس والمعصية من قبل الشيطان، فالنفس تلح عليك في معصية بعينها لا تتعداها إلى غيرها، أما الشيطان فإنه يريدك عاصيا على أي وجه من الوجوه، فإن امتنعت عليه في معصية جرك إلى معصية أخرى أيا كانت. ثم يقول سبحانه: ﴿ ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر.. ﴾ [النور: 21] ولك أن تسأل: أين جواب من الشرطية هنا؟ قالوا: حذف الجواب لأنه يفهم من السياق، ودل عليه بذكر علته والمسبب له، وتستطيع أن تقدر الجواب: من يتبع خطوات الشيطان يذقه ربه عذاب السعير لأن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر، فمن يتبع خطواته، فليس له إلا العذاب، فقام المسبب مقام جواب الشرط.