تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.40

هذا مثل آخر توضيحي لأعمال الذين كفروا، والبحر اللجي: الواسع الكبير الذي تتلاطم فيه الأمواج، بعضها فوق بعض، وفوق هذا كله سحاب إذن: فالظلام مطبق لأنه طبقات متتالية، وفي أعماق بعيدة، وقد بلغت هذه الظلمة حدا لا يرى الإنسان معها حتى يده التي هي جزء منه، فما بالك بالأشياء الأخرى؟ وقوله: ﴿ لم يكد يراها.. ﴾ [النور: 40] أي: لم يقرب من أن يراها، وإذا نفى القرب من أن يرى فقد نفى الرؤية من باب أولى ذلك لأنه ليس له نور من الله يرى به ويهتدي ﴿ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ﴾ [النور: 40] فكما أنه لم ينتفع بالنور، ولم ير حتى يده، كذلك لا ينتفع بشيء من عمله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض... ﴾.

24.41

يريد الحق - سبحانه وتعالى - أن يلفتنا إلى ما يدل على وحدة الخالق الأعلى، وكمال قيوميته، وكمال قدرته، وذكرت هذه الآية بعد عدة أوامر ونواه، وكأن ربك - عز وجل - يريد أن يطمئنك على أن هذا الكون الذي خلقه من أجلك وقبل أن تولد، بل، وقبل أن يخلق الله آدم أعد له هذا الكون، وجعله في استقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، يقول لك ربك: اطمئن فلن يخرج شيء من هذا الكون عن خدمتك فهو مسخر لك، ولن يأتي يوم يتمرد فيه، أو يعصي أوامر الله: ﴿ ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض.. ﴾ [النور: 41]. ﴿ ألم تر.. ﴾ [النور: 41] يعني: ألم تعلم، كما في قوله تعالى:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل

[الفيل: 1] ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، ولم ير هذه الحادثة، فلماذا لم يخاطبه ربه بألم تعلم ويريح الناس الذين يتشككون في الألفاظ؟ قالوا: ليدلك على أن ما يخبرك الله به - غيبا عنك - أوثق مما تخبرك به عينك مشهدا لك لأن مصدر علمك هو الله، ألا ترى أن النظر قد يصيبه مرض فتختل رؤيته، كمن عنده عمى ألوان أو قصر نظر.. إلخ إذن: فالنظر نفسه وهو أوثق شيء لديك قد يكذب عليك. والتسبيح: هو التنزيه، والتنزيه أن ترتفع بالمنزه عن مستوى ما يمكن أن يجول بخاطرك: فالله تعالى له وجود، وأنت لك وجود، لكن وجود الله ليس كوجودك، الله له ذات وصفات، لكن ليست كذاتك وصفاتك.. إلخ. إذن: نزه ذات الله تعالى عن الذوات التي تعرفها لأنها ذوات وهبت الوجود، أما ذات الله فغير موهوبة، ذات الله ذاتية، كذلك لك فعل، ولله تعالى فعل. وقد ذكرنا في قوله تعالى:

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا..

[الإسراء: 1]. إن الذين اعترضوا على هذا الفعل اعترضوا بغباء، فلم يفرقوا بين فعل الله وفعل العبد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: سريت من مكة إلى بيت المقدس. إنما قال: أسري بي. فالاعتراض على هذا فيه مغالطة، فإن كنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهرا فذلك لأن سيركم خاضع لقدرتكم وإمكاناتكم، أما الله تعالى فيقول للشيء: كن فيكون، فلا يحتاج في فعله سبحانه إلى زمن. فمن الأدب ألا تقارن فعل الله بفعلك، ومن الأدب أن تنزه الله عن كل ما يخطر لك ببال، نزه الله ذاتا، ونزهه صفاتا، ونزهه أفعالا. ألا ترى أن سبحان مصدر للتسبيح، يدل على أن تنزيه الله ثابت له سبحانه قبل أن يخلق من ينزهه، كما جاء في قوله تعالى:

شهد الله أنه لا إله إلا هو..

[آل عمران: 18] فشهد الحق - تبارك وتعالى - لنفسه قبل أن تشهدوا، وقبل أن تشهد الملائكة، فهذه هي شهادة الذات للذات. وقبل أن يخلق الله الإنسان المسبح سبح لله السماوات والأرض ساعة خلقهما سبحانه وتعالى. وحين تتتبع ألفاظ التسبيح في القرآن الكريم تجدها جاءت مرة بصيغة الماضي

سبح لله ما في السماوات والأرض..

[الحديد: 1] فهل سبحت السماوات والأرض مرة واحدة، فقالت: سبحان الله ثم سكتت عن التسبيح؟ لا إنما سبحت في الماضي، ولا تزال تسبح في الحاضر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٦٩