تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الفتح: 29]. فالمسلم ليس مفطورا لا على الشدة وحدها، ولا على الرحمة وحدها، إنما عليه أن يتصرف في كل موقف بما يناسبه على ضوء ما شرع الله. فقوله تعالى: ﴿ أولوا الفضل منكم والسعة.. ﴾ [النور: 22] يقول للصديق: أنت رجل فاضل صديق، وعندك سعة فلا تعطي ولا تؤثر على نفسك من ضيق، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل هذا الخطأ الذي وقع فيه مسطح، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله، وعوقب بحد القذف ثمانين جلدة، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك. ومن سماحة الإسلام أن من وقع في حد وعوقب به لا يجوز لأحد أن يعيره بذنبه لأنه تاب وأناب وطهره الله منه بالحد، وانتهت المسألة، وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه. فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: ارجع إلى فضلك يا أبا بكر، وعد أنت إلى سعتك، وكن موصول المروءة، ولا تقطع رحمك، يريد - سبحانه وتعالى - أن يصفي ما في النفوس من آثار هذه الفتنة التي زلزلت المجتمع المؤمن في المدينة. ولا يليق بذي الفضل والسعة أن يعامل الناس بالعدل، فصحيح أن مسطح كان يستحق هذه القطيعة وهذا الحرمان، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصديق صاحب الفضل والسعة. ولو أجريت إحصاء للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون، ستعلم أن المؤمنين قلة والكافرين كثرة، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في الكون: أعطوا من آمن، واتركوا من كفر؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مثلا في ذاته عز وجل، فكما أنه يعطي من كفر به ويرزقه، بل ربما كان أحسن حالا ممن آمن، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عمن أساء إليك.

لذلك يقول سبحانه في آية أخرى:

ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم

[البقرة: 224]. فإن كنت بارا بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك لا تبره، فقد تهدأ ثورتك عليه، وتريد أن تبره، وتتحجج بحلفك، إذن: لا تجعلوا الله عرضة لحلف يمنعكم من المعروف. ثم يقول سبحانه: ﴿ أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.. ﴾ [النور: 22] صحيح أن مسطح من ذوي قربى أبي بكر ومن المساكين، لكن يعطيه الله نيشانا آخر، فلم يخرجه ما قال من وصف المهاجر، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم. فمن فضل الله تعالى على عباده أن السيئة لا تحبط الحسنة، إنما الحسنة بعد السيئة تحبطها، كما قال عز وجل:

إن الحسنات يذهبن السيئات..

[هود: 114]. فرغم ما وقع فيه مسطح، فقد أبقاه الله في العتب على أبي بكر، وتحنين قلبه، وأبقاه في المهاجرين. ﴿ وليعفوا وليصفحوا.. ﴾ [النور: 22] العفو: ترك العقوبة على الذنب، لكن قد تعفو عن المذنب ثم تؤنبه، وتمن عليه بعفوك، وتذكره دائما أنه لا يستحق منك هذا العفو لذلك يحثنا ربنا - تبارك وتعالى - على الصفح بعد العفو، والصفح: ترك المن وعدم ذكر الزلة لصاحبها حتى تصبح العقوبة عنده أهون من عفوك عنه. ذلك لأن الحق سبحانه حينما يشرع للبشر ما ينظم العلاقات بينهم يراعي جميع ملكات النفس، لا يقتصر على الملكات العالية فحسب، إنما لكل الملكات التي تنتظم الخلق جميعا، وليأخذ كل منا على قدر إيمانه وامتثاله لأمر ربه. وفي ذلك يقول سبحانه:

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين

[النحل: 126]. لو تأملنا حقيقة المثلية في رد الإساءة لوجدناها صعبة في تقديرها، فإن ضربك شخص ضربة، أعندك القدرة التي ترد بها هذه الضربة بمثلها تماما بنفس الطريقة، وبنفس القوة، وبنفس الألم، بحيث لا تكون أنت معتديا؟ إنك لو تأملت هذه المثلية لفضلت العفو بدل الدخول في متاهات أخرى. وسبق أن ذكرنا قصة المرابي الذي اشترط على المدين إن تأخر في السداد أن يقطع رطلا من لحمه، ولما تأخر الرجل في السداد خاصمه عند القاضي، وأخبره بما كان بينهما من شرط، وكان القاضي ذكيا فقال للمرابي: خذ السكين واقطع رطلا من لحمه، لكن إن زاد أخذناه منك، وإن نقص أخذناه منك، فتراجع المرابي لأنه لا يستطيع تقدير هذه المسألة. فإن انصرفنا عن المعاقبة بالمثل وسعنا العفو، وانتهت المسألة على خير ما يكون.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٤٦